لم يعرف سوى أبواق السيارات وضجيج الشارع من الباعة المتجولين والمارة الذين يتجولون في المحال التجارية لشراء حاجياتهم ، كان الرصيف الإسفلتي مكانا ً له عند الاستراحة ، تلهبه حرارته ، هذا حاله منذ ولادته ، أثارت انتباهه متسولة ، لها صوت ناعم واضعة ً قطعة قماش سوداء على وجهها ، كانت قريبه منه جالسة ً على الرصيف تنظر أليه ، لم يعد يحتمل ، لا بد أن أحدثها قالها بإصرار واضح .
متسائلا ً ــ أليس من حقنا نحن المتسولين أن نحب ، نعشق ؟ أم ممنوع علينا لأننا ولدنا هكذا مع الحزن لا مكان للفرح بيننا ؟ !
في البدء كانت تضجرُ منه ، لا تطيقه ، كان يتوقف كل خطوتين ، يسير أمامها وخلفها كأنه حارس عليها ، عندما يحس بالوجع يدب الى ظهره يجلس ..هكذا كان ينهي يومه ، عندما تغيب الشمس ويأتي المساء يكون قد ودعها الى يوم آخر في وداعه حسرة وأنين وحتى بكاء ، كان يأتي من الصباح الباكر ينتظرها على أحر من الجمر ، وإذا تأخرت يجن جنونه ، ذات يوم أراد اختبارها وقف بعيدا ً يتأملها ، عند وصولها المكان لم تشاهده ، جن جنونها لأنها اعتادت أن تراه كل يوم يأتي قبلها ، كانت تروح وتجيء تنظر شمالا ًوجنوبا ًكأنها فقدت شيئا ً ثمينا ً ، تقدم نحوها وإذا بها تقول: ــ تأخرت اليوم كثيرا ً؟
ــ وهل يعنيك ذلك ؟
ـــ نعم فأنك …!
ـــ أكملي حديثك.
ـــ لله يا محسنين ، صدقه قليلة تدفع بلاءً كثيرا ً ..
ابتعدت ، ودارت ظهرها وسكتت عن الكلام ، كانت تهمهم ، تندب حظها العاثر مع عشيقها الذي سلب نقودها ورماها في الشارع ، متسول هو الآخر ، يسكن في احد البيوت القريبة من بيتها .
صرخت بصوت عال ٍ ، لا أثق بك كلكم متشابهون كل الرجال متشابهون ، يسلبون كل شيء جميل وإذا مرضت يزجرونني وكأنني مصابه أنقل أليهم المرض .
الرياح الساخنة تؤلمها ، سكبت على عباءتها بعضاً من الماء ، أحست بالذبول يزحف نحوها فيغزو جسدها .
متساءلة ً : هل يعيد لها شبابها ، حيويتها ؟ !
قــال لها :ـــ ما العمر إلا أوراق تتطاير ، تبعثرها الرياح ، لترحل الكلمات التي دونت عليها ، ولا يبقى سوى بقايا أماني وأحلام وعين لا تنام .
هذا هو الحب بعينه ، سنرحل عن الأيام الحزينة والليالي المريرة ، قــالها وأعتبرها مزحة .
تذكرت الماضي وقــالت :ــ مرت أيام صعبه جدا ً ، كنت بحاجة الى النقود ، أكلمهم ، أستعطفهم ، فيشيحون عني وجوههم ، أكاد أقبل أقدامهم لأحصل على النقود لاشتري الطعام الى أهلي ، وعندما يرفضون أمضي الى اقرب مزبلة عسى أن أجد ما يسد فيها رمقي وصراخ معدتي ، ما أقسى أصحاب المطاعم دائما ًيركلونني فأهرب بعيداً عنهم ، هكذا عشت طفولتي ، ملابس رثة تنبعث منها رائحة كريهة ، وأنا أنهش برأسي شيئا ًما يدب فيه ، أنا لا ألوم أحدا ً عندما يطردوني هم محقون .. أما الآن عرفت كيف أمتهن التسول فأكسب منه مالا ً كثيرا ً ، أستحم وأغسل ملابسي.
أكملت حديثها :ـــ العيش وحيدا ًمصدر تدمير الإنسان ، أبحث عن نصفك الآخر بعيدا ً عني .
ـــ لا تكوني كالبعوضة التي تعض مضيفها .
نهضت مسرعة مبتعدة عنه ، لفه الحزن ، ودب أليه اليأس.. بعصبية فائقة ظل يتمتم بكلام غير مسموع أراد أن يعبر الشارع إلى الجهة المقابلة غير عابئ بالسيارات المارقة المتهورة صدمته سيارة توفي على الفور ، قام السائق بنقله على مسامع الناس الذين تجمهروا.
قـــائلا ً: ــ أنه مجرد متسول .
نظرت إليه وكان مخضبا ً بالدم تلوم نفسها قائلة ً في سرها :ــ لماذا تصرفت معه هكذا ؟ تهذي وتلعن حظها العاثر ، أصابها مس من الجنون ، كل يوم تجمع النقود وفي المساء تقوم بتمزيقها ، مرت أيامٌ وليالٍ وهي على هذا الحال تنام على الرصيف الذي كانا يجلسان عليه ، ذات يوم تراءى لها في الجانب الآخر من الشارع يناديها ، نهضت مسرعة والابتسامة على وجهها تلبي طلبه لطمتها سيارة تناثر دمها امتلأت السماء بطيور بيضاء ترفرف فوق المكان معلنة ً زفافهما ..