منذ حطت عليا قدميها على تراب قريتها الصغيرة بعد غياب سنين وهي تشيع البهجة والسعادة في ارجاء البيت الكبير ، وتجتهد لأزالة سحابة الحزن التي
تظلله منذ أسر زوجها على الورق وحبيب عمرها وساكن قلبها الذي ينبض باسمه.
مع تسلل خيوط الشمس الذهبية عبر شقوق نافذتها تنهض فرحة سعيدة من بين احضان زوجها الذي تعيش معه ليليا احلام سعادتها وهناءها .. تتحسس عقد حبة اللوز وتقف امام المرآة لتشاهد شبكتها الذهبية ( عقد قبة الصخرة ) وهي تتدلى ببهاء وانفة على صدرها الغض تتفاعل مع نبضات قلبها الرهيف .. وتذهب بسرعة تتطاير كفراشة بين الزهورلترتوي من رحيقها .. الى شجرة اللوز التي تتوسط حديقة المنزل ..( شجرة علي ).. تلقي عليها تحية صباح مشرق وتستمد منها القوة والبأس والصبر، ثم تعود الى المطبخ تجهز بيديها الناعمتين طعام الأفطار لكل افراد العائلة قبل ذهابها الى الجامعة لتتابع دراستها ولا يفوتها ان تتنسم اخبار زوجها داخل سجنه، وتصغي لهمس الطلبة وتحاول جهدها تميزه بفطنة وذكاء .. تشارك في نشاطات الطلبة السياسية والتربوية بلا كلل ، حتى اصبحت شمعة تضيء قاعات الدراسة وباحات الجامعة. مرت سنين لم تحصها لآنها تعيش مع زوجها سعيدة باحلامها الدافئة كل لياليها تبادله العشق والغرام .. تناثرت الأخبار عن قرب الأفراج عن عدد من الأسرى ( صفقة تبادل اسرى مع العدو الصهيوني) .. غمرت قلبها السعادة وتطايرات في الهواء تعانق النجوم وتحتضن القمر ليلا ، وتتعلق بأشعة الشمس نهارا تمرجح جسدها الغض على خيوطها الذهبية.
في يوم ربيعي استيقظت من نومها على طرقاب بالباب .. قفزت في الهواء مغردة صوب الباب لتجد زوجها وعشيق نومها يقف بالباب مقوس الظهر نحيل الجسد يتكأ على عكاز.. القت بجسدها بين احضانه تغمر وجهه بالقبلات وتسقيه رحيق رضابها وتغسل وجهه بدموعها .. قبل ان تصرخ بأعلى صوتها عاد العلي .. عاد علي .. العلي عاد …انطلقت الزغاريد تشق عنان السماء وهللت النساء وصدحت تغاريد الميجانا والدلعونة ولعلعت اقدام الرجال بالدبكة..
سهرت على زوجها ايام وليالي حتى تسللت العافية والصحة الى جسده المرهق والمنهك تداوي اثار التعذيب والتنكيل .. استمرت الأفراح في البيت الكبير ونصب صيوان الزواج في قرية (نعلين ) وتسابق اهل القرية لمباركة تحرر الأسير (على ) وزواجه الرسمي من عليا.
وتباشير الأفراح لم تنتهي مع حمل عليا لتزيد البهجة والسعادة في قلوب اهل البيت الكبير وبعد شهور قليلة انجبت عليا طفلا .. اسموه عهد .. جاء ليشيع نورا في البيت الكبير وتشرق شمس السعادة في جنباته .. فجاءة وبلا سابق انذار تشظت الفرحة على صوت جرافات الأحتلال الهادر .. قفز علي وعلياء مسرعين مع كل اهل البيت والقرية يتصدون لجرافات الآحتلال فتصدى لهم جنود الأحتلال بشراسة وعنف .. تخدش وجه عليا وشج رأس علي .. وعهد في مهده يبتسم .. وقفت عليا بقوة امام شجرة اللوز تتحسس بيدها عقدة حبة اللوز الذي يزين جيدها وجرفات الأحتلال تنشب اظافرها الفظة لتقتلع الشجرة .. وضابط الأحتلال يردد هنا سيقام سور لنحمي شعبنا من المخربين.