عندما تذهب إلى قصر ثقافة ” طهطا ” في بلد رفاعة الطهطاوي، أول شيءٍ تقابله هناك وتجده في انتظارك هو “عم سيد ” المسؤول الأمني للقصر، فهو يحرس القصر، ويقوم بكل كبيرة وصغيرة فيه ، يقابلك بابتسامته المعهودة ، يرحب بك ، ويسألك :
ــ أي خدمة يمكن أن أقدمها لك يا أستاذ ..؟! ..
عم سيد راجل طيب، الكل يحبه ، ويحترمه ، رجل من الزمن الجميل ، أصيل ، يحب عمله ، وابن بلد ، شهم ، كريم ، تستطيع أن تميزه من بين كل من تراهم هناك ،
حين تراه تعرفه بثيابه البلدي الفضفاض ، وبصوته الجهوري ، وبسمته الجميلة الحلوة ، وكرم الضيافة ، تعرفه فوراً إذا ما لقيته بوجهه الأسمر الذي أبى الزمن إلا أن يضع بصماته الواضحة عليه ، ……….
عم سيد رجلٌ تستطيع أن تعتمد عليه في كل شيء ، وأي شيء هنا ، وفي أي مهمة تُوكلها إليه ، تجده لا يتأخر معك أو عليك ، تجده يقول لك ، بصوته الجهوري ، وبهيئته المميزة من بين سائر العاملين في القصر ، وبصراحته المعهودة ، دائماً يردد :
ــ أي خدمة ، رقبتي سدادة ….
فهو يعرف كل كبيرة وصغيرة هنا، أعرفه منذ زمن بعيد ، وهو يعرفني ويعرف كل رواده ، رواد القصر، والوافدين عليه ، والعاملين معه ، وسيرته طيبة بين جميع الموظفين في القصر
عم سيد هذا الرجل الطيب القلب يعمل مع كل الأنشطة في قصر ثقافة ” طهطا ” حتى تشعر وتحس وكأنه صاحب المكان وليس عاملاً فيه ، لذا هو محبوب من الجميع ، …..
عم سيد يمتلك خبرةً كبيرةَ في الحياة ، يعرف كل الناس ، والأنساب ، والأحساب ، والأماكن ، ويعرف كل كبيرةٍ وصغيرةٍ في القصر، كما ولديه نظرة ثاقبة لا تخيب ، ويمتلك قدرات خاصة على تمييز البشر .. ودائماً يقول لك :
ــ كل الناس دي أعرفها ، وأعرف كمان تاريخها ،
ـــ ………………
لا تشبع من حديثه ، ولا تمل إذا جلست معه ، تجده فصيحاً ، مثقفاً ، وعنده سرعة بديهة ، افتح معه أنت حواراً ، أو موضوعاً ما ، أو تحدث معه في شأن من شئون الحياة ، تجده ملماً بكل تفاصليه ،أي شيء في الحياة ، له فيها رأي ووجهة نظر مختلفة تماماً، جهبذاً ومخضرماً
تسمعه يقول لك :
ــ اللي ما يتعلمـ ش من الحياة والدنيا يبقى متعلمـ ش حاجة لسه ..!!
دائماً يرتدي الزي الصعيدي المعروف ” الجلباب البلدي الفضفاض ” ويترك رأسه بلا غطاء ولديه حس أمني عالي ، ولبق في الكلام ، ويمتلك ما لم يمتلكه الأخرون من معرفة المكان ، وعن خباياه …
ــ الدنيا يا عم علي مدرسه ، وعلمتني كتير قوي ، وأنا مش صغير برضك …
ــ ………………….
عم سيد ، يستطيع أن يميز بين الناس ، ويعرف للناس قدرهم ، وينزلهم منازلهم ، ويفهمهم أيضاً على حد قوله ، وتجده أيضاً دار معارف متنقلة ، في الأحساب والأنساب ، ما شاء الله ، موسوعة شاملة، تعرف منه كل معالم البلد وأماكنها ، وأهل البلد كلهم يعرفونه ، ويحبونه ، ويثنون عليه خيراً ، لذلك هو المسؤول الأول عن الأمن في المكان ، هنا في قصر الثقافة ” بطهطا ” ويردد دائماً :
ــ الانسان ايه غير سيرة طيبة ، وعمل صالح قاعد له لولد الولد …
ــ ……………………….
نجتمع كل مساء أربعاء عنده ، نلتقي بنادي أدب ” طهطا “هذا النادي العريق الذي لم يزل يحتفظ بمكانته ، وبريقه ولمعانه ووضعه بين أندية الأدب ، بفضل قيادته الحكيمة الرشيدة ، وحب الاعضاء بعضهم لبعض ، المفتقَد ، مع الأسف الشديد ، في أندية كثيرة للأدب ، لذلك ينضم إلينا كل يوم أُناس جدد من هنا وهناك ، والنادي يرحب بهم ، ويسعد لذلك ، ….
نأتي كل أربعاء ، الساعة السادسة مساءً، صيفاً وشتاءً ، أو بعد صلاة المغرب تقريباً ،
فنجد عم سيد في انتظارنا ، يرحب بنا ، ويجلس معنا ليستمع لما نقول من شعر ، وقصة ، ونقد ، وذلك بعد ما يقوم بواجب الضيافة معنا ، يقدم لنا الشاي الصعيدي المغلي الجميل الذي يصنعه بيده ، يجلس ، يستمع باهتمام لما نقوله ، ويتفاعل معنا في الحديث ، أحياناً بالتعليق على بعض الأعضاء ، أو الزملاء ، وأحياناً أخرى يقوم بالاشتباك معي في حوار طريف وظريف ، وربما تذكر موقفاً مضحكاً ، فيضحك الجميع له ، وينبسط لحديثه الماتع ، وخفة دمه ، وظرفه ، وطرائفه التي لا تنتهي ….
ــ والله أحبسك هنا ، ولا أخليك تروِّح ، وأخلي أم الأولاد تدعي لي ،
ــ …………..
أنا دائماً أحرص على المجيء إلى النادي مبكراً ، هذا النادي الذي أنا واحداً من أعضائه ومؤسسيه ، وأنا أحبه كثيراً جداً، مثل ما أحب ” عم سيد ” وكل أعضاء النادي الذين يحضرون معنا الاجتماع كل أربعاء ….
أذهب مبكراً كل مرة ، أحياناً أذهب مع ابني ” فارس” الذي أحب الشعر، والأدب مثل أبيه ، منذ صغره ، وله ” خربشاتٌ ” جميلة ، نشر بعضها في الصحف ، وبعضها عبر الفضاء الأزرق ” الانترنت ” وأحياناً أذهب وحدي، حتى أكون أنا أول من يحضر من أعضاء النادي، حيث اللقاء الأسبوعي ، فيقابلني عم سيد بابتسامته الجميلة الحلوة المعهودة منه ، فلا أجد نفسي إلا وأنا أبتسم له ، أسلم عليه ، ويسلم عليَّ ، وبعد مداعباته اللطيفة التي تعودتها منه كلما ذهبتُ إلى القصر ، أو لقيته في الطريق في مكانِ ما ، أسأله عن أعضاء النادي ،
ــ هل جاء أحد من أعضاء النادي ..؟!
ــ ………………..
عم سيد قصة كفاح طويلة ، أعرفه منذ زمن طويل، مخلص لعمله ، وله مواقف عديدة معي لا تُنسى ، أذكر لكم منها واحدةً …….
حدث مرة ، ونحن في بيت ثقافة ” طهطا ” البيت القديم الكائن هناك ، والقاطن مقره في شارع ” 15 ” القابع أمام البنك المصري الأن ، والذي تحول الي مكتبة للطفل، وكنا نجتمع زمان هناك ، وكان هو موظف جديد آنذاك ، وكان نادي أدب ” طهطا” يعج وقتًئذٍ بالمبدعين الكبار ، وأيضاً بالروَّاد، ومحبي الشعر والأدب ، وكان المكان يضيق بنا لكثرة الوافدين إلينا والذين يرغبون لكي يكونوا كُتَّاباً ويسعون لذلك ، وكانوا من الجنسين فتيات وصبيان ، وكانوا من كل الأعمار، وحدث أني اختلفت مع أحد الأصدقاء في وجهات النظر، وخالفته الرأي في أحد الأعمال التي قال هو فيها رأيه ، وكنت شبه معارضاً له، وكان هو رئيساً للنادي آنذاك فاستثقلها على نفسه ، وأخذها بمحملٍ سيئ ، أقصد رأيي المخالف لرأيه ، وحدثت بيننا مشادة كلامية ، مهذبة طبعاً ، لم تخرج عن حدود الأدب ، ونطاق المثقفين ، فقام على أثرها هو وبعض الأعضاء بأخذ قرارٍ فوري ، ومتعسف ، بفصلي من النادي ، وعدم مجيئي إليه مرة أخرى ، وعدم حضوري للاجتماعات، ودخولي إلى النادي مرة ثانية ، وللأسف الشديد الكل كان صامتاً صمت القبور، وهو يعرف أني لم أُخطئ في حق أحدٍ ، إطلاقاً، ولم أتعدَّى حدودي ، ولا حدود اللياقة والأدب بتاتاً، فقط كل ما هنالك كان مجرد رأي مختلف ، ووجهة نظر مخالفة ، ومع ذلك صمتَ الجميع صمتْ القبور، وتخاذل الجميع إلا النذر القليل منهم .. المهم .. وحتى لا أطيل عليكم .. نادوا على الـ ” عم سيد ” فهو المسؤول الأمني للمكان ، ويقوم على حراسته ، ليخبروه بما حدث ويعلنوه بما كان من قرارات اتخذوها ضدي ، ويوكلوا إليه هذه المهمة ، وهي منعي من الدخول إلى بيت الثقافة أثناء الاجتماع ، وعدم تمكني من حضور الاجتماع الأسبوعي معهم ، ومع أني تأسفت لهم كثيراً ، ومع ذلك أصرَّوا على فصلي ، وعدم حضوري معهم الاجتماع ، ومرت الأيام والأسابيع والشهور بل السنيين أيضاً مرت عشر سنوات بالتمام والكمال وأنا بعيد عن النادي ، إلا أني لم أنقطع عن الإبداع ، فكنت أمارس هوايتي ، ونشاطي الأدبي مع نفسي بعيداً عن نادي الأدب ، وكنت أكتب ، وأنشر أعمالي في المجلات والصحف اليومية ، ومع ذلك كانت نفسي تتوق للعودة إلى النادي، نادي أدب ” طهطا “.. عشر سنوات بالتمام والكمال عددتها باليوم والليلة وأنا أتابعهم من بعيد لبعيد وأتابع أخبارهم ، حتى ذهبتُ للأستاذ ” محمود رمضان الطهطاوي” الأديب المعروف ، وتأسفت له في بيته ، وطلبتُ منه أن ينقل اعتذاري ، وأسفي هذا لأعضاء النادي ، ولمن كان الخلاف معه في الرأي، ووجهة النظر، فقبل ، ورحب بذلك ، وأثنى عليَّ ، وامتدحني لأني فعلتُ هذا ، وأخيراً عدتُ للنادي من جديد ، لأجد ” عم سيد ” في انتظاري، يحاول أن يمنعني كما قالوا له ، فهذا عمله ، ولا يُلام عليه طبعاً ،
ــ رايح فين ..؟!!،
ــ داخل أحضر الاجتماع في النادي
ــ أنت ممنوع من الاجتماع …
ثم أكمل بروح الدعابة ، والفكاهة
ــ معاك تصريح بهذا ،
ــ ……………..
وفي اثناء حديثي معه ، وأنا أحاول أن أشرح له ، وأخبره بما كان مني مع الأستاذ “محمود ” وما حدث بيني وبينه ، إذ لمحنا الأستاذ ” محمود ” من النافذة الزجاجية المطلة على الشارع فأسرع إلينا ، ليشكره ويصطحبني معه إلى الاجتماع ، وعدت للنادي مرة أخرى ، وعادت المياه إلى مجاريها ، وعاد “عم سيد ” يلقاني كل اجتماع ليضحك في وجهي وهو يقول لي بروح الدعابة ، والمرح ، والفكاهة
ــ رايح فين .. معاك تصريح طيب
فأتذكر ما حدث ، وما كان ، فيضحك ، فأضك له ومعه ، وأجلس معه ، نتسامر ، حتى يأتي أعضاء النادي تباعاً فأستأذن منه ، و ……….