كنا نستيقظ ، أحيانا ، في أنصاف الليالي ، على صوت نحيب يقطع نياط القلب ، فيطلب أبي من أخي الأكبر أن يخرج ليتفقّدها ، ربما تكون مريضة أو أنّ ” أولاد الحرام ” قد تعرّضوا لها بسوء .
بعد سنوات ، حين صادفت ثاني مجنونات القرية ، تهيم في الشارع ، متثاقلة ، تحت وطأة بطنها المكوّرة … فهمت ما كان أبي يعنيه بـ ” سوء ” . .. و أدركت أنّ الجنون ليس قوّة كما بدا لي ذات طفولة .
في سن صغيرة جدا ، اعتقدت أنّ عيشة من العائلة ، عمّتي أو خالتي مثلا أو أختي ، لأني فتحت عينيّ على الدنيا لأجدها هناك ، و لأنّ أبي كان يهتم بها اهتماما غريبا ، زائدا عن الحد .
كان اسمها حاضرا ، في بيتنا ، بشكل شبه دائم.. في كل مناسبة أسمع أبي يوصي أمي … ” لا تنسي عيشة ” ، ” احتفظي بنصيب عيشة ” ، أو يأمرنا بشيء من الحزم . ” تفقّدوا عيشة ” ، ” لا تستفزّوا عيشة ” .
في الجهة الخلفية لمنزلنا الكبير … تقضي أيامها و لياليها … عشّة ضيّقة ، مصنوعة من الكارتون و قطع من الأقمشة البالية ، لا تكاد تقي بردا و لا حرّا . و الغريب أنّها لم تكن تمرض أبدا ! حتى في عزّ الشتاء و البرد و تساقط الثلج .
أيّة قدرة على التحمّل كان يمنحها لها عقلها المخرّب ؟ أيكون الجنون مناعة ؟ حصانة بشكل أو بآخر ؟
أحيانا تطلب مني أن أقترب منها . تبتسم لي و عيناها طافحتان بحنان عجيب ، قبل أن تنهرني بإشارة من يدها ، فأقفز خطوات إلى الخلف ، مبتعدة ، متوجّسة منها ، لكن ضاحكة ، غير آبهة .
كنت أجد متعة خفيّة في تأمّلها ، خاصة حين تجتاحها نوبة الغضب فتدور حول نفسها ، حانقة ، ثائرة ، و قد احمرّت عيناها و انتفخت اوداجها و تجمّع البصاق فوق شفتيها . تلوّح بقبضتيها في الهواء كأنّما تطارد أشباحا . تتلفّظ بكلام بذيء . تتوعّد . و قد تلتقط الحجارة ، و ترمي بها المارة أو تبصق في وجوههم …و الويل لمن يسخر منها أو يحدّق فيها .
أقف غير بعيد و معي أطفال الحيّ ، ضاحكين من تصرّفاتها ، مستغربين هيجانها … متوقّعين أن يصل بها الأمر إلى نزع ثوبها و كشف جسدها ، كما كانت تفعل حين تصل النوبة أقصاها . لم نكن نأمن لها جانبا و هي على تلك الحال ، رغم أنها كانت تحبّنا … لا نجرؤ على الإقتراب منها إلا حين تهدأ تماما .
نوبات الغضب تلك كانت نادرة و لا أحد يدري ما يسبّبها و لا كيف تبدأ ، أما في معظم الأحيان فقد كنت أراها تجلس في هدوء تام ، مبتسمة ، سعيدة ، ترفع عقيرتها بالغناء ، أو تخرج من كيس بالٍ مشطا و تبدأ محاولة يائسة في تمشيط شعرها الأشعث .
كنت استغرب . لا أفهم كيف يمكنها المرور بكل تلك الحالات المتباينة من ضحك أو بكاء أو سكون أو هيجان ….
و أعترف أنني ، في فترة ما من حياتي ، غبّطت عيشة على جنونها ، و تمنّيت لو أملك مثلها تلك الشجاعة و القدرة على الدّفاع عن النفس ..ماذا لو كانت أعارتني جنونها ليوم واحد فقط ؟ كنت شتمت الإسكافي العجوز القذر الذي ، حين قصدته لتصليح حذائي ، جعلني أجلس في حجره . يومها لم أفهم لمَ فعل ذلك ، شعرت بالحرج و عدم الإرتياح و كرهته جدا….و كنت شتمت بائع الحلوى الذي قرصني في خدّي بشدّة ، ورميت بالحجارة كل الذين لمعت أعينهم بنظرة الذئب الجائع .
لم أكن أرى في جنون عيشة ما يعيب ، بالعكس كنت أشعر أنّها متميّزة و قويّة… و قد مرّ زمن قبل أن أتخلّص من فكرة ملحاحة : أن تكون مجنونا معناه أن تكون حرّا و قويّا و مهيبا و شجاعا ، و أن تفعل ما تريد و تقول ما تريد دون رقيب أو حسيب …لكن عيشة تبيت في العراء و أنا لم أكن لأطيق ذلك . لا أنام إذا لم تحوطني بذراعها عن يميني أختي زينب ، و عن شمالي أختي سلوى ، و إذا لم يكن آخر ما أراه هو أمي تروح و تجيء في البيت قبل أن تسكب في عيني رحيق الأمان فأخلد للنوم ..
أتذكّر جيدا ذلك اليوم من أيام رمضان .
أجري نحو أمي ، أجذبها من فستانها و أنا أصيح بصوت مدهوش ” أمي …أمي …رأيت الآن عيشة ” تأكل رمضان ! ” نعم ..تقول أمي بكل برودة دون أن تلتفت نحوي أو تتوقّف عن الإنشغال بما بين يديها . ” هل ستذهب عيشة للنار لأنّها لا تصوم ؟ ” ” لا يا ابنتي …لن يحاسبها الله لأنّها بلا عقل . ” من أخذ عقلها يا أمي ؟ ” لم يأخذه أحد …هكذا خلقها الله . ” و لماذا خلقها الله هكذا ؟ ”
ينفذ صبر أمي…تعرف أنّي لن أتوقّف إن لم توقفني بطريقة أو بأخرى .
” كفّي عن طرح الأسئلة وتعالي ساعديني . ”
أتقدّم لمساعدتها … و لا أفهم حقا .
و قبل العيد بأيام أرافق أمي إلى السوق لنقتني لوازم المناسبة السعيدة …
أرى أبي يدس في يدها أوراقا نقدية و يقول : ” اشتري ثوبا جديدا لعيشة …أيضا . ”
كلما أتذكّر ذلك أتساءل عن السر وراء اهتمام أبي بعيشة ، و أمي أيضا .
لم يخبرني أحدٌ أبدا .
- عَيْشَه
- التعليقات
