كنت أمسك بتلابيب حلمي بكل قوة، خبرت أن السبيل إليه هو ذلك الرجل من بلدنا، الذي هيأ الله له منصبا ونفوذا يمكنه بهما أن يجعل حلمي الصعب ممكنا، كان سهمي الذي خلت أن الله أرسله لي لتتعلق به كل آمالي، لكن كيف السبيل إليه؟
أخبرت أبي أننا لابد ذاهبان إليه، لتسهيل العسير من الأمور، ضحك أبي من سذاجتي وأخبرني أن مثل هذا الرجل لن يخدمنا أبدا وأن انتصاره على ما يعتقد أنها هزيمة قد لحقت به في الماضي، سيتحقق بمجرد ذهابنا إليه طالبين معونته.
قال لي أبي:
…يعلم الله يا ولدي أنني لم أؤذه في حياتي ولو حتى بكلمة، لكن عقدة النقص المتولدة لديه، جراء فقره في الماضي، ستجعله يعتقد أن خذلاننا في معركة حلمك الصعب، ستكون انتصارا له علينا في معركة الحياة…نعم يا ولدي إنه يعتبر نفسه في معركة مع كل من كان هو دونهم في الماضي، أو حتى من كانوا أقرانه حتى لا ينالوا ما ناله هو.
لم آبه لكلمات أبي، وصممت على ضرورة زيارة ذلك الرجل، الذي اعتبرته قدوتي في الحياة، واتخذته أملا ونبراسا لي، رفض أبي وصمم على رفضه، لم يخضع لي إلا لما هددته بعدم الذهاب إلى المقابلات الرسمية المحددة، كخطوات لتحقيق حلمي، كان أهمها على بعد أيام منا، وافق أبي وذهبنا أنا وهو إلى تلك المحافظة الساحلية حيث يعمل ذلك الرجل الذي انعقدت عليه كل آمالي.
ويا الله، كم لمت أبي حينها! قابلنا الرجل كأروع ما تكون المقابلة وحسن الضيافة، أقسم برحمة أمه وأمي التي كانت زميلة دراسته أنه سيكون لنا عونا في مرادنا، رحب بنا الرجل أيما ترحيب، وبالغ في إكرامنا، كان مصرا أن نبيت عنده ولا نسافر ليلا، تركنا بصعوبة بعد أن أخبرناه بارتباطنا بموعد القطار السريع.
على باب شقته، نظرت لأبي نظرة لوم وعتاب على سوء ظنه بالرجل، لم أكن محتاجا لتلك النظرة مع رجل حسن النية سليم الطوية كأبي، إذ رأيت دموعا تملأ عينيه، ربما كانت دموع فرح على حسن المقابلة، أو دموع ندم على سوء ظنه، سمعته يقول:
…كم أنا سيء النية، ظلمت ذلك الرجل الكريم، فليسامحني الله على سوء ظني.
ومرت الأيام التي ننتظر فيها أبي وأنا تحقيق الحلم المنشود، وجاءت اللحظة التي علمنا فيها أن حلمي قد وئد في مهده وأن أحدا لم يساعدنا، كانت كل كلمات الاعتذار في العالم لا تشفع لي عدم احترامي لفراسة أبي، ورأيه الذي لم يخب في ابن مدينتنا، الذي اكتشفت أن أبي يعرفه كما لم يعرفه أحد وقتها.
- فراسة
- التعليقات
