وجدته في الصباح الباكر لأحد أيام الشتاء مرتديا بالطو خفير سقطت بعض أزرَّته؛ ربما تصدق عليه به أحد الجيران، أو يكون اشتراه من الباعة الجائلين الذين يبيعون المستعمل، ويحمل في يده صرة بها غداءه؛ رغيف خبز وقطعة جبن وبصلة، الغداء المعتاد لأمثاله، ومنتعلا حذاء من البلاستيك تحمَّل بطين الطريق الذي خلفه المطر، ويشمر ذيل ثوبه بيده الأخرى، ويجتهد قدر المستطاع تفادي بقع المياه التي امتلأ بها الطريق، يغطي رأسه وأذنيه ب كوفية ورثها عن أبيه، أظنه لم يسمع صوت السيارة، لم أستخدم آلة التنبيه مخافة أن يُفزع وينزلق في الطين، عندما اقتربت منه أكثر سمع الصوت وأخلى الطريق منحرفا إلى اليمين.
بمحاذاته أوقفت السيارة، فنظر إليّ من خلف الزجاج الذي ما زالت بعض قطرات المطر عالقة به، وعلت تجاعيد وجهه ابتسامة، ملت إلى الجانب الآخر بجذعي وجذبت الأوكرا -ربما لا يعرف كيف يفتح الباب- وما أن فتحت الباب حتى أخذ لسانه يلهج بعبارات الشكر والثناء والمديح والدعاء لي، ويعتذر عن عدم الركوب بحجة أن ما يحمله حذاؤه من طين ستتسخ به السيارة، ومع إلحاحي عليه ركب بعد أن مسح حذاءه في عشبة جافة على حافة الطريق.
سألته عن حاله، فاسترسل في حديث أدمى قلبي، وكأنه وجد بعد طول عناء المتنفس الذي ينشده والحبل الذي أنهكه البحث عنه لينشر عليه همومه التي عطَّنت بداخله من طول كتمانها، غزت التجاعيد بلا هوادة ملامحه الجميلة، وعيناه الخضراوان تعكسان طيف قلبه الطيب، يحمل على كاهله جبال من الأعباء أحنت ظهره وشيبت شعره قبل الأوان، ضائق الصدر بشكوى وأنين حبسهما سنين بداخله لعدم وجود من يفضفض معه.
أخذ يسرد عن الخفير والمُخبِر والمُحضَر والمُحصِّل الذين لم يرحموا باب داره من الطرق يوما، ثم انخرط في البكاء وكأن بركانا انفجر، وهو ينهنه ويتمتم بعبارات توقظ الضمائر النائمة، قائلا: لقد تركنا لهم الحكم والسلطة والمناصب والسياسية بغية أن يتركوا لنا أحذيتنا البالية وأثوابنا المرقعة، أن يتركوا لنا رغيف الخبز وعود الفجل وقطعة الجبن والبصلة،
وفي خضم هذا البوح الحزين وعلى حين غرة باغتنا كمين شرطة، اعترض طريقنا وطلب بطاقة الرقم القومي، وعندما ضربوا رقمها على الكمبيوتر، قبضوا عليه.
وهم يجرُّوه نظر إليَّ نظرة من خلف الدموع المعلقة تحت الجفون، مفادها؛ أنه لا فائدة، لا مكان لأجير مثلي في هذا البلد، واختفى داخل البوكس.