أغْمضَتْ عين الأرق الذي لازمها لسنوات هذه الليلة باكرا، لم تترك فرصة للأفكار البالية التي استوطنت مخيلتها عنوة .تزوجت أول مرة وهي دون العقد الثالث، استعانت براتب وظيفتها كممرضة لتبدأ مشقة العلاج علها ترزق بأطفال يسندون جدران حياتها إن تقدم بها العمر كرفيقاتها اللواتي أنجبن دون مشقة وأصبحن يتذمرن من كثر ما أنجبن ، يعمل زوجها في الفلاحة شكواه لا تتوقف كون دخوله منها موسمي ومحدود.
تناست جيهان الأمر حين ارتابت في أمر زوجها عيسى، وراحت تنقب عن سر راحة باله هو وأهله إزاء ما يؤرقها ليلا نهارا ، يرافقها في رحلة العلاج دون أن يهتم فأولاد أخيه يملؤون حياتهم مرحا على حد قول أمّه ،ألحت جيهان أن يجري فحوصات كونه معني بها فقد أرهقها العلاج دون أن تجد سببا .
تطلعت جيهان لبرودة الأعصاب التي يحملها زوجها عيسى وكأنّه وهي خرجا من رحم واحد ، مضت سنوات الشباب دون أن تحقق ما صبت إليه لتجد أمّه في السّر تسعى لتزويجه ، لم ينكر ما واجهته به ، لم تنبس بكلمة سقط فيض مشاعر كانت قد حملته له بين جوانحها لسنوات ، تهاوت معاقل أحلامها وهي تجمع أشياءها بحقائب التذمر، وتودع سنوات ضاعت دون أن يراعي هو وأهله صبرها. لم يعترض أحد على رحيلها ، أسلمت عيونها لدمع سخي أسندت شقوق توجع قلبها على جدار مواساة أختها الوحيدة منى مات والداها منذ عهد بعيد.
بعد عام من انفصالها كانت نقوش الحناء تملأ راحة يدها والزغاريد تعلو ، ارتبطت بزميل لها توفت زوجته وتركت له خمسة أطفال ،استبشرت كون القدر أغدق عليها أكثر مما تمنت أهداها نعمة البنين لتقر بهم نفسها وإن لم تنجبهم ، اكتظت حياتها فجأة بتفاصيل مرحهم وضجيجهم ، ستسعى للاعتناء بهم كما لو أنّهم فلذات أكبادها.