يَقولُ: “..لا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ إلاَّ رَبُّ النَّارِ..” يَتَحَدَّثُ إلَيْهَا بِوَلهٍ واسْتِياَّءٍ مُتَأسِفًا، وَفِي نَشْوَةِ اللِّقَاءِ يعْتَرفُ بالذَّنْبِ..َيسْتَرْضِيهَا، غُفْرَانَك سَيِّدَتِي، أعَلِمْتِ بأنَّ سَبَبُ خَرَابَ الدِيَّار، هُمْ عِصَابَة الأَشْرَارِ الِفِيسْبُوكِيِّين، شِرْذِمَةٌ تَقْتَاتُ عَلَى إزْعَاجِ رَبَّاتِ الْبُيُوتِ، وَالتلذُذِ بِبُؤْسِهِنَّ وَأحْزَانِهِنَّ، إنَّهُمْ يُتَاجِرُونَ بِصُوَّرٍ يَلتَقِطُونَهَا خِلْسَةً، فِي الْمُنَاسَبَاتِ والأعْرَاسِ، ذِئًابٌ شِرِّيرَةٌ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، يَسْتَعْمِلُونَ الْمَرْأَةَ الرِّعْدِيدَ، الْخَرَّاجَةُ الْوَلاَّجَة، والأطْفَالُ الْمُشَاغِبُون، وَسَائِطَ مُنْحَطَّةٍ فِي تَنْفِيذِ جَرَائِمِهِمْ،
01-يَسْتيْقظُ {الْبَهْلُولُ} مُرْغَمًا مِنْ فِرَاشِهِ، كأنّهُ كَانَ فِي كابُوس، أخَذَ يُدَاعِبُ جَفَنَيْهِ يَدْعَكُهُمَا، وَهُو يَسْمَعُ صَوْتَ فَتاةٍ تَسْتَنْجِدُ مِنْ حَرَائِر الْبَلدِ مَرْعُوبَةً، يَحْمِلَ الْمِصْبَاحَ الْيَدَوِيِّ بِيَدَيْهِ الْمُرْتعِشَتَيْنِ، يدُنُو مِنَ البَابِ خَائِفًا يَترَقَّبُ، يَتَحَرَّكُ هُنَا وَهُنَاكَ، يَقِفَ مُـنتَصبًا, يَسْأَلُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: مَن يدُقُّ الْبَابَ؟ تقِفُ الْفَتَاةُ مرْتَجِفَةً ، حَافِيَّة الْقَدَمَيْن، مُتخَشِبَة عَلى الرَّصِيفِ، تَئِنُّ أنِينًا يُشْبِهُ النَّوَاحَ، وَمَا إنْ فَتَحَ الْبَابَ حَتَّى رَمَتْ بِجَسَدِهَا الْمُتعَبِ النَّحِيلِ دَاخِلَ الْبَيْتِ بَاكيَّةً مُتلطِفَة، فيَرْمُقهَا فِي ذُهُولٍ، عَاقِدًا حَاجِبَيْهِ بدَهْشَةٍ واسْتِغْرابٍ، يَسْأَلُ بِمَرَارَةٍ: سُؤًالاً تاَفِهًا مَنْ جَاءَ بِكِ هُنَا؟ تُسْعِفُها زَوْجَتُهُ وتحْتَضِنُهَا مُتسَائِلَةً: يَاوَيْحَ قَلْبِي..؟! مَاذَا حَدَثَ لَكِ .. بُنًيَّتِي ؟ تُطلقُ زَفَرَاتٍ حَادَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ حَزِينٍ، تَتَنَهَدُ تَنْهِدَة حَارَةً ثمَّ تقول: دَخَل الْبَيْتَ هَائِجًا صَائِحًا مُنْفَعِلاً، أخَذَ يُبَعْثِرُ الأثاثَ ويُحَطِّمُ الأَوَانِي، يَرُشُّ الْبَيْتَ بِالْبِنْزِين، ثُمّ يُوقِدُ فِيهِ النَّارَ، يَفَزْعُ الْعِيَّالُ، وَقَدْ تَفَرَقَوا فِي الشَّارِعِ شَذَرَ مَذَرَ، هَرَبَتُ مُتَسَلِّقَةً جِدَارَ الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِي،الْمَشْهَدُ لَحْظَتَهَا كَانَ صَادِمًا مُرْعِبًا، اسْتجْمَعَتُ قُوَّتِي، رَكَظَتُ فِي صَمْتٍ مُدْقَعٍ، كَانَ بَيْتكُم وُجْهَتِي ومَلاَذِي، وَقدْ بَلَغَ مِنِّي الْيَأْسَ كُلَّ مَبْلَغٍ..يَا وَيْلَتاَهُ..؟! كِدْتُ أنْ اختَنِقُ فِي بَيْتٍ مَحْرُوقٍ، وَفِي شَارِعٍ مَهْجُورٍ، لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَرَّةِ الأولَى الَّتِي أُعَنِّفُ فِيهَا، أنَا امْرَأَةٌ وَضْعُهَا كَوَضْعِ الْمُسْتَجِيرِ بِالرَمْضَاءِ مِنَ النَّارِ، مألُومَةٌ مَحْزُونَةٌ مَجْرُوحَةٌ مُتفَرِّجِةٌ عَلَى نَفْسِها، وَمَا أكْثَرَ الشِّعَارَاتِ الْمَرْفُوعَةِ لِنُصْرَةِ الْمَرْأَةِ وَحِمَايَتِهَا..؟! كَنْتُ أسْعَى إلَى تقْدِيم الأعْذار لتَصَرُفَاتِ زَوْجِ أهْوَجَ عَنِيفا، ويَكَادُ الْخَجَل يُكبِّلُنيّ عِنْدَمَا يَسْألُ الْجِيرَانُ عَنْ الصَّخَبِ والصُرَاخِ الْمُنْبَعِثِ مِنَ الْبَيْتِ {وَمَا نَفْعُ كَفِّ لَوْ جَفَتْهُ الأَصَابِعُ} كَانَتْ أوْرَاقُ الْكَذِبِ والبُهتان وَالتَهَوُّرِ تَتَسَاقَطَ عَلَى رَأْسِي، كُنْتُ أمَارِسُ الْحُزْنَ فِي مَزْرَعَةِ الضِيَّاعِ، وَأَناَ انْزِفُ خَيْبَةً ألأمَلِ، ارْوِي قِصَّتِي لِمَنْ هَبَّ وَدَبَّ وَكَأَنَّي أعِيشُ الْخَيَالَ ! أحْلاَمٌ مُطَارَدَةٌ مُشَوَّهَة لاَ مَعْنَى لَهَا ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُثْبِتُ الْوَاقِعِ عَكْسَ مَا نُرِيدُ، وَمَا نُرِيدُ إلاَّ الْمَوَدَّةَ وَالرَحْمَةِ، نُرِيدُ بَيْتٌا تسُودُهُ الْمَحَبَّة والوئَامُ، الْعِفَّةِ والسَّكِينَة، بَيْتٌ آمِنً وكفَى، تُسْعِفُهَا سَّيِّدَة الْبَيْتِ، تُهَدِّئُ مِنْ رَوْعِهَا..تُطَمْئِنُهَا، لَكِنَّ الشَّيْخَ {الْبَهْلُول} لاَيَهْدَأُ لَهُ بَالُ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَهُوَ يَذْرَعُ الْمَكَانَ جِئَه وَذَهَابًا، وَلَمْ يَعُدْ فِي وَجْهِهِ مَاءٌ، فَالْعُدْوَانِيَّةُ تَسْكُنُهُ، الْغَضَبُ بَلَغَ أَوْجَهَ، وَطَفَحَ الْكَيْلُ، سِلاَحُهُ الإذْلاَلُ والاحْتِقَارُ، فبَيْنَمَا الْفَتَاةُ غَاطِسَةٍ فِي الذُّهُولِ، تَلِمْلِمُ أشْلاَءَ مَاضِيهَا، ورَغَوَة أفْكَارِهَا، يَقْتَحِمُ {الْبَهْلُولُ} مَجْلِسَ النِّسَاءِ بِصَوْتٍ غَاضِبٍ ويَقولُ: يَا أنْتِ أمَا آنَ لَك أنْ تَتَرُكِي الْبَيْتَ، وَأنْ تَبْحَثِي لَكِ عَنْ مَصِيرٍ، الكلِمَاتُ تُعَانِقُ عَفَنَ جُرْحِهَا النَّازِفِ، فترْتَمِي خَجَلا ًعَلَى قدَمَيْهِ، تُحَدِّقُ فِيهِ وتنْفجِرُ بَاكِيَّة، وَسَيِّدَةُ الْبَيْتِ تُلاَطِفُهَا وَتَعْتَذِرُ، تَفْزَعُ مُنْتَفِضَةً تَتَوَسَّدُ الدَّمْعَ الْهَطُولَ، لَكِنَّهَا تَرْفُضُ الإعْصَارَ، وَتَنْفَرِدُ فِي رُكْن قَصِيِّ، تَرْتَشِفُ أحْزَانَهَا، تُفكَّرُ فِي مَخْرَجٍ سَرِيعٍ لأزْمَتِهَا، وَكَأنَّهَا عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ الْعِيَّالِ، لقدْ جَاءَ إخْوَتُهَا الصُّبْحَ يَقتفونَ أثرَهَا.
02- تخْرُجُ إليْهِم وَهِيَّ كَلِيلَةً الفؤُادِ، بَائِسَةٌ مُتَسَلِّلَّةً مِنْ رَمَادِ سِجْنِهَا، تقُولُ لَهَا ابْنَتُهَا: أمَّاهُ..! الْبَيْتُ لَمْ يَحْتَرِقْ، والْعِيَّالُ فِي انْتِظَارِكِ..! أَبِي عَادَ إلْيْنَا نَادِمًا مُعْتذرًا، فَتَفْزَعُ مُنْتفِضَة، وَتَتَسَاءَلُ فِي قَرَفٍ مَاذَا تَقُولينَ ؟! جدِّي وجَدَّتِي فِي انْتِظَارِكِ، تنْتَعَلُ حِذَاءَهَا عَلَى عَجَل، وَهِيَّ تَسَابِقُ لَهْفَةَ الْعُيُونِ: {داري ..دَارِي تَسْتُرْ عَارِي} تُودَّعُ الْبَيْتَ الَّذِي آوَاهَا، تَقولُ: ذَرُونِي اطلعُ بِنفْسِي عَلَى الوَضْعِ لأطمَئِنّ آهٍ..ماعُدْتُ أثِقُ فِي أحَدٍ، مَشَتْ تَتَأرَجَحُ فِي الطريق، كغَيْمَةٍ تَتَشَهَى أسْئِلةَ الْمَطَر، ترْسُمُ خَطَوَاتٍ مُتَعَثِرَةٍ عَلَى الرَّمْلِ، والدَّمْعُ يَتَلألأ فِي شواطئ مُقلتِهَا، شَلاَّلاً مِنَ النَّبْضِ عَلَى الْخَدَّيْن يَرْتَعِدُ، نَسَمَاتُ الرِّيحِ تُطرُدُ أوْرَاقَ الاكْتِئَابِ، تُزِيلُ مَا تَرَاكَمَ مِنْ هُمُوم، أنُوارُ الصَّباَحِ المُشْرِقَة الْمُضِيئَةِ تَحْمِلُ بَيَارِقَ الأَمَل، وَوَحْشَةَ الِغِيًّابِ لوْعَةٌ وَاسْتِيَّاء، تجْمَعُ عِبَارَاتِ الْمُوَاجَهَة مِنْ شُتَاتَ أفْكَارهَا المُبَعْثرَةٍ، ومَا ادَّخَرَتْ مِنْ أحْزَانِ، لِتَنْتَشِلَ الْعِيَّالِ مِنْ مَتاهَاتِ الضِيَّاع، َتُجَنِبَهُم مَخَالِبَ التَهَوُّرِ والاحْتِقَانِ، إنَّهَا تَتَهَيَّأ بِوَعْيٍ لِمُوَاجَهَةِ مَا يُخْفيهِ لَهَا القدَرُ، وَكَيْدُ الْكَائِدِين، تقُولُ: كلامًا يُشْبِهُ النَّشِيدَ الْغَامِضَ، لَنْ تتَنازَلَ عَلى وُجُودِهَا فِي البَيْتِ، مَهْمَا عَظُمَتْ الْمَصَائِب، وكَيْفَمَا كانَتْ الدَّوَافِعُ، تَتَفَاجَئُ بأنَّ الأمْرَ كَانَ عَكْسَ مَا كَانَتْ تَتَصَوَّرُ تمَامًا، هُوَ ذَا زَوَجُهَا الْمَهزُومُ، يسْتَقبِلُهَا بِوَجْهٍ طلْقٍ بَشُوش، يَقولُ: “..لا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ إلاَّ رَبُّ النَّارِ..” يَتَحَدَّثُ إلَيْهَا بِوَلهٍ واسْتِياَّءٍ مُتَأسِفًا، وَفِي نَشْوَةِ اللِّقَاءِ يعْتَرفُ بالذَّنْبِ..َيسْتَرْضِيهَا، غُفْرَانَك سَيِّدَتِي، أعَلِمْتِ بأنَّ سَبَبُ خَرَابَ الدِيَّار، هُمْ عِصَابَة الأَشْرَارِ الِفِيسْبُوكِيِّين، شِرْذِمَةٌ تَقْتَاتُ عَلَى إزْعَاجِ رَبَّاتِ الْبُيُوتِ، وَالتلذُذِ بِبُؤْسِهِنَّ وَأحْزَانِهِنَّ، إنَّهُمْ يُتَاجِرُونَ بِصُوَّرٍ يَلتَقِطُونَهَا خِلْسَةً، فِي الْمُنَاسَبَاتِ والأعْرَاسِ، ذِئًابٌ شِرِّيرَةٌ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، يَسْتَعْمِلُونَ الْمَرْأَةَ الرِّعْدِيدَ، الْخَرَّاجَةُ الْوَلاَّجَة، والأطْفَالُ الْمُشَاغِبُون، وَسَائِطَ مُنْحَطَّةٍ فِي تَنْفِيذِ جَرَائِمِهِمْ، يَسْتبِيحُونَ فُحُولَةَ النِّسَاءَ والْبَرَاءَة، ليُرْهِبْوا الأسَرَ الآمِنَة، ويَضْحَكُونَ عَلَى شَذَاجَة الْعِيَّال، ارْهَابُ الصُّورَةِ أشدَّ وطْأةٍ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ إرْهَابِ الأجْسَادِ، الشُّرْطَة تكتَشَفُ أوْكَارَ الْعِصَابَة، وتضَعُ حَدًا للعاَبثِين، إنَّهَا عِصَابَاتٌ مَارِقَة، يُقْتُلونَ النَّخْوَةَ والإرَادَة، يُهِينُونَ الرِّجَالَ، يُسِيئُونَ للْمَرَأَةِّ ذَلِكَ { الْجِدَارُ الّذِي لاَ يَسْقُطُ..} بِنَشْرُونَ ثَقَافَةَ الشَّائِعَاتِ، السِّلاَحُ الرِّهِيبُ الْمُدَمِّر، وَهَلْ أصْبَحَ الإنْسَانُ بُنْيَانُ اللهِ أضْحُوكَةً..؟ كَلاَّ…!