مابال دموعي تنهمر بلا توقف كل جمعة عندما أمثل أمام قبر تلك التي هي جزء منّي؟ ولاسيما إذا كان مثل اليوم في الهدوء، فلا مفجوعين يجرحونني ببكائهم وشقائهم، ما يجعلني أستفيض في الخشوع، وأتبسّط في تذكّر عمي عبد الرحمن الممرض وشفيق في الليلة الرّابعة من الحادثة التي لا أستطيع أن أصفها بالمشؤومة أو المرحومة حين تناهى إلى سمعي صوت مجلجل بقهقهة توهمك أنّه مدير المستشفى، وما هي إلّا لحظات حتىّ اقترن الصّوت بالصّورة، يبدو أنّه فاقد لذراعيه الاثنتين. يتقدّم فيرتطم بالسّرير، هل هو ضرير؟ إذن ما ذهب من ذراعيه وبصره قد عوّض له في صوته، يبادره الممرّض عبد الرّحمن ليتأكّد من سلامة سمعه:
ـ توقّف.. إلى أين أنت ذاهب؟
ـ أليس هذا هو قسم أمراض الكلى؟
ـ لا.. لقد تركته عن يمينك، يمكنني أن أوصلك ..
ـ دعه يجلس قليلا.. خذ حبّة التّفّاح هذه..
قلت هذا وبقيت مادّا يدي بينما بقي الضّيف فاتحا فمه ينتظر، لم أتفطّن إلى الوضعيّة المحرجة إلّا بعد وقت، هكذا أتفاعل مع الحياة أحيانا كثيرة وهي تقدّم لي مشتهياتها، أتحجّر في حالة الانتظار فاتحا فمي إلى أن تفسد الثّمرة المشتهاة، ثمّ بعد ذلك ألوم الحظّ.. أسرع عبد الرّحمن، ووضعها في فم الضّرير الذي انتهى منها في لحظة.
ـ بارك الله فيكما .. نوع رفيع من التّفّاح..
ـ لعلّك لم تأت إلى المستشفى إلّا من أجل الفاكهة.. قال عبد الرّحمن مازحا ..
ـ سأغادر المكان، تستهزؤون بي من أجل مجرّد تفّاحة؟ ما هكذا يكون كرم الضّيافة!
ـ لا تغضب.. إنّه يمزح معك ..
قلت مطيّبا لخاطره.
استرجع الضّيف أنفاسه مستغلّا الفرصة:
ـ هل عندكم موز؟ فأنا منذ زمن لم أذق طعمه، أعلم أنّه لا يدلّل الإنسان في بلادنا إلّا إذا مرض أو أشرف على الموت..
ـ عندنا الموز، أمّا طعمه فلك الحكم..
ـ هات.. فقد وقعت على الحكم العدل..
حين راح يلتهم الموزتين بشراهة قلت له:
ـ ما الذي ذهب بذراعيك الاثنتين وعينيك؟ هل شاركت في الحرب العالميّة الثّانية؟
ـ و الله لم تذهب بعيدا، أولا اسمي شفيق، انفجرت في وجهي إحدى القنابل التي غرسها المستعمر الفرنسيّ في فترة حرب التّحرير ليمنع عمليّات تمرير الأسلحة في المناطق الحدوديّة الشّرقيّة، حينها كنت أرعى الغنم في قريتي التي تسمىّ (الفيض)، صرت كما ترى، ولكنّ الله سلّم، فأنا كما ترى حيّ أرزق، وعندي ابن مهندس..
ـ أنت إذن زميل ..
قلت له..
ـ هل أنت حارس سيّارات مثلي؟
ـ لا.. أقصد أنّني معطوب مثلك..
ـ ما نقص منك؟
ـ ذراع..
ـ ذراع واحدة فقط؟
ـ نعم، واحدة، ألم يعجبك هذا؟!
ـ ذراع واحدة، وتقول زميل؟! بالكاد تصلح ربع زميل، فأنا فاقد لأربعة أعضاء وأنت ينقصك واحد منها فقط..
وضحكت لأنّه حتّى عالم النّقص مفعم بالتّفاخر والتّعالي.. نعم لأسبقهم نقصا وأشدّهم عطبا أن يزهو على غيره .
ـ تعلّم منّي يا بنيّ فأنا أكبر منك سنّا وأسبق منك في العطب..أوّلا: يجب أن تحمد الله على هذه الحالة.. قل :واحدة .
ـ واحدة ..
قلتها وأنا أكاد أنفجر ضحكا من هذا الأسلوب البائد.
ـ ثم يجب أن لا تعتبر نفسك معاقا، أنصحك أن لا تستخرج بطاقة معاق، وأن لا تستفيد من تلك المنحة الزّهيدة ..قل :اثنين ..
ـ اثنان..
قلتها وقد بدأت أسمع كلاما يتقاطر حكمة.
ـ عليك أن لا تنتظر المعونة من أحد، فالنّاس قد يساعدونك مرّة أو مرّتين، ثمّ تجد نفسك بمفردك، فابدأ بمفردك منذ الانطلاقة الأولى، قل: ثلاثة..
ـ ثلاثة ..
بدأ عقلي يتفتّح أمام هذه الكلمات العميقة ..
ـ عليك أن تفعل ما لم تكن تفعله عندما كنت سليما..
ـ ماذا تقصد؟
ـ يمكنك التّجرّؤ على أيّ شيء، فالنّاس سيجدون لك الأعذار بحكم إعاقتك، مثلا لو شتمت موظّفا في مكتبه فلن يرفع عليك دعوى قضائيّة، بل سيحاول إقناعك والرّفق بك، ولو بدر منه ما يسوؤك فإنّ النّاس و زملاءه سيلومونه. يمكنك استغلال ضعفك فهو نقطة ارتكازك، لا تنس هذا أبدا..هي فرصتك جاءتك فاغتنمها، إذا كنت متفتّح الذّهن كما يوحي به صوتك، فلا تعتمد على النّاس وإنّما استغلّهم لتحقّق أهدافك ..
ـ أكره كلمة الاستغلال ..
ـ نبدّلها إذن بانتهاز الفرصة..
ـ الانتهازيّة أيضا ممقوتة عندي ..
ـ لن نختلف في المصطلحات، عليك أن تتذكّر دائما أنّك دفعت الفاتورة، وأنّه قد آن لك أن تأخذ الثّمن، هذا ما لا يجب أن تنساه.. ليس عليك أن تسلك طريقهم الاعتياديّة الطّويلة، إنّما يرخّص في حالتك اقتفاء الطّريق المختصرة التي يسلكها أمثالك وأمثالي..
ـ أعتقد أنّه يسلكها الانتهازيّون أيضا..
ـ لا تلك طريق أخرى موازية لها ليس أكثر.. إنّ تذكرتك معك، ولنقل إنّك تحمل مغامرتك على جانبك الأيمن، أمّا الآخرون فمغامراتهم إمّا أمامهم؛ لم يخوضوها بعد، أو وراءهم؛ انتهوا من خوضها.. افهم هذا جيّدا يا بنيّ لتتقدّم إلى الأمام..
التفت الضّرير إلى الممرّض متوجّسا منه، كأنّما يريد أن يتفوّه بكلام ضدّه.. خفت في أذني:
ـ بيننا شخص غريب عن عالمنا، إنّ من تتحدّث عنهم لو لم يكن معك مال في جيبك لما دفعوا عنك ثمن الشّاي الزّهيد.. من المؤكّد أنّك لم تجرّب أن لا تملك ثمن خبزة، ذق هذا الإحساس وانظر هل يبقى رأيك فيهم قائما؟ إذا كانت الحياة أخذا وعطاء، فقد سكبت العطاء، ما بقي في قارورتك سوى الأخذ..
أعجبت بهذه المنهجيّة، فسبقت الضّرير في العدّ قائلا :
ـ قل أربعة ..
ـ في حالتك ليس لك خيار الفشل إلّا إذا ألححت في طلبه..
ـ ردّ الضّرير بهدوء غير متفاعل مع خفّة دمي.
ـ ما أخفّ الحكمة حينما تقدّم هكذا مقشّرة دون أغلفة تثقلها، وتجعل منها أمرا أسطوريّ المنال!
قال الممرّض عبد الرّحمن بنبرة لا هويّة لها ولا نكهة..
أحسست بأنّ ذراعي اليمنى كانت تحجب عني العالم كلّه، إذن ذراعي اليسرى أيضا ما زالت تحجب الكثير.. العينان يفعلان ذلك، لاشكّ أنّ المتمتّعين بكلّ أعضائهم محجوبون عن الكثير من الحقائق.. ترى كم عضوا يجب عليّ أن أقطع لكي أصل إلى الحقيقة المطلقة؟!
خرج الأعمى وعندما سلك الرّواق الأيسر، صحت فيه:
ـ قسم الكلى إلى اليمين..
ـ لا يمكن أن آكل الكلى بعد الموز..
قالها الضّرير وهو يكتم ضحكة تكاد تنفجر، يبدو أنّه خرج من منزله بقصد التّحلية بعد أن تناول عشاءه.. الأمر كلّه مضحك، لكنّ الممرّض لم يغادره الجوّ الجادّ والملامح العميقة، فقال بلهجة محقّق مباحث:
ـ هل قرّرت شيئا؟
ـ لم أفعل..
ـ إذن لم تستيقظ من غيبوبتك.. لابدّ أن تقرّر شيئا ما..
ـ أخشى أن أكتشف في آخر مطافي أنّني اخترت الطّريق الخاطئ..
ـ لا تتردّد في مشروعيّة قرارك أو عدمها، فأن تقضي حياتك في شيء خاطئ بمنهجيّة صحيحة أفضل من أن تقضيها في لا شيء أو في شيء صحيح بمنهجيّة خاطئة، ثق في حدسك وفي عقلك وفي تربية والديك، ثمّ امض.. الحياة تفتح أحضانها للجميع.. المجد ينادي.
وبينما هو يتكلّم تحرّك من مكانه، فقنصت فيه ما يشبه العرج، لكن عندما ركّزت في رجليه ثانية أدركت أنّني مخطئ، وإنّما ولدت في قلبي رغبة في أن يشاركني النّاس في القصور الذي أصبح عندي قرابة روحيّة. وشرعت أحدّث نفسي:
ـ لماذا أبدأ حياة جديدة وفكرا مغايرا؟ماذا حدث للدّنيا؟ هل أنا من سقط من أعلى النّخلة أم أنّ الدّنيا بأكملها هي من هوت؟
ـ تبدأ لأنّك لم تنطلق بعد ..
ـ سأنطلق يوما ما، يجب أن أترك الأمور تأتي من تلقاء نفسها ..
ـ تذكّر أنّك إلى غاية اليوم لا مشروع لك في الأفق، ولا حتّى أمل في أيّ شيء.. لابدّ أن تستيقظ من وهمك..إنّك تحمل على جسدك هذا جثّة شخص ميّت يعيش فقط ظلّا في عيون النّاس.
امتزجت هذه الأفكار بوتيرة أنفاسي إلى أن استسلمت للنّوم، وفي يدي ورقة تعني لي الكثير، هي رسالة فيها كلمتان، لم تدخل معي الحلم خلال هذه الأيام، وإنّما التي دخلت معي هي ذراعي التي رأيتها كأنّما عادت إلى مكانها من جديد، وأدّيت بها مغامرات بطوليّة، هي عروس الحلم المحتفى بها.. بقيت ذراعي بهيئتها السّليمة تتكرّر في المنام إلى غاية هذا اليوم الذي أقف أمام هذا القبر ولم أنس أيضا أنّني صعدت النّخلة لأرى الفتاة وهي تتجوّل في حديقة منزلها، لوّحت إليّ بيدها، نسيتُ أنّني متشبّث بالكرانيف ، رفعت يدي، وجدت نفسي في المستشفى فاقدا لذراعي.. لم يصلني منها سوى رسالة واحدة بعد يوم من استفاقتي بعثت فيّ الحياة من جديد، غرستها أمّي في باطن كفّي مطويّة كأنّها تُسكت بورقة نقديّة قيّمة بكاء طفل صغير (أنت رجل)، من حينها وأنا أعتقد أنّ الرّجل هو من يسقط من أعلى النّخلة وتقطع ذراعه، أصبحت أخشى أن أستمرّ رجلا حتّى لا أفقد شيئا آخر، وقرّرت الابتعاد عنها..
إنّها فتاة تعوّدت على زيارة المتجر الذي كنت أعمل فيه قبل حادثة الذّراع.. تتردّد عليه أكثر من مرّة في اليوم، تقضي فترة غير يسيرة من العطلة في منزل جدّها لأبيها الذي هو بالقرب من حارتي لأنّها يتيمة الأب، وهي تدرس الهندسة في جامعة قسنطينة، علمت بفضل زملائها الذين يتتبّعون أخبار بعضهم بدافع الوفاء لذكرى الزّمالة أنّها فتحت عيادة هناك في الجبال الباردة.
لا أعلم كيف تواتيني هذه الأجواء الجميلة وأنا أمام هذا القبر؟ يشتدّ بي تطويح الشّوق فأتأسّف على سوء الحظّ لأنّ الحبّ ليس من الأمراض المعدية، بل بالعكس تماما، فكلّما عرف المحبوب تعلّق الآخر به ازداد مناعة ، ولو كتم عنه أحاسيسه لربّما انجذب إليه من تلقاء نفسه دون تعب.
هاهي المقبرة تزدحم بالنّاس من جديد، يبدو أنّ شخصا مهمّا ودّع دنيانا هذه، يذكّرني الموقف بأمسية جاءني فيها شفيق كأنّما تفجّرت فيه ألغام الدّنيا بأكملها ليعلمني بوفاة الممرّض عبد الرّحمن، وبموعد الجنازة الذي سيكون غدا بعد صلاة العصر في مدينته قسنطينة. تعجّبت وقتها من هذا الظّهور المفاجئ لأنّ علاقتي بهما كانت آنيّة وعابرة، وقد نسيت صراحة أمرهما، لكنّ شفيق قطع عليّ حبل هذه الحيرة حين قال لي:
ـ إن لعمّي عبد الرّحمن الممرّض دَينا عليك، فهو من أرسلني إليك عند مرضك في المستشفى، واتّفقنا على الحوار الذي دار بيننا، لقد اهتمّ بحالتك بشكل خاصّ، وكان يدعو لك بالتّوفيق في كلّ صلاة، لكنّه أخفى عليك أنّه هو من أوصى تلك العجوز أن تمد لك يد العون لأنّه قدّم لها المبلغ رهنا، كما كان المهندس لبعض التّرتيبات تخصّ نجاحك في تجارتك مثل تسهيلات الحاج مراد في صفقات شركته..
شهدت الجنازة، فإذا الحضور جمع غفير من الكبراء والدّكاترة من كلّ القطر، عرفت أنّ عبد الرّحمن لم يكن مجرّد ممرّض، إنّما برتبة بروفيسور في أمراض العظام، وقد كان يزورني خصّيصا ليعالجني أثناء غيبوبتي، بقي بعدها معي ليحسّن من حالتي النّفسيّة، فعل هذا مع عدةّ حالات مشابهة، لكنّ حالتي كانت أبهرها نجاحا. لقد كان يتابع أخبار مرضاه عن كثب، وكان يسمّيهم أبنائي، لأنّه كان محروما من الذّرّيّة، بسبب حادث قطار تعرّض له منذ طفولته غيّر حياته؛ لأنّ رجليه بترتا وأصيبت أشياء أخرى، وعاش فترات من الحزن والانغلاق إلى أن انتصر على حالته النّفسيّة، وصمّم على النّجاح، فأصبح طبيبا، وتابع اجتهاده إلى رتبته الحاليّة ،تذكّرت أنّني حينما لمحت ما يشبه العرج في مشيته في المستشفى لم أكن واهما، سألت شفيقا قائلا :
ـ و هل أنت فعلا حارس سيّارات؟ فإنّ كلامك وهيئتك هذه المرّة غير تلك التي جئتني بهما في المستشفى.
ـ أنا دكتور في الفلسفة، وقد رفعت التّحدّي مثل صديقي عبد الرّحمن ومثلك أيضا ..
هل لي أن أفقد الثّقة في نفسي لأنّ وراء النّجاح الذي حقّقته دكتوران والحاجّ مراد ؟ أم أنّ هذه كلّها كانت عوامل ساعدتني على النّجاح؟ فقد اعتمدت على نفسي واستغلّيت الفرص التي جاءتني وتلك التي ذهبت إليها، نجحت حين بدّلت عقيدتي الاجتماعيّة.. قبل الحادثة كنت أخجل أن يعرف النّاس أنّني أريد المال خوفا من شبهة الطّمع، بل كنت أحجم أن أطلب أجرتي عن عمل أؤدّيه ، أمّا الآن فكلّما رأيت نقطة تتجمّع حولها الأرزاق دخلت ضمن الخاطبين ، لعلّي أن أحظى منها بطرف.. لقد دخلت مجال النّقل البرّيّ ، وأصبحت لي حافلات تطوف كامل الوطن، ولي مقاولة في البناء .
قدّم لي شفيق بعدها مخطوط مذكّرات الدّكتور عبد الرّحمن، تصفّتحته، فإذا فيه فوق الخمسين حالة من المعاقين بأسمائهم وبسيرهم الذّاتيّة، بنجاحاتهم وإخفاقاتهم، وجدت اسمي ضمن النّاجحين مادّيّا، رأيت أنّ كلّ إنجازاتي كانت مقيّدة بدقّة متناهية، طبعا لم أجد الخصوصيّات ولا الجانب العاطفيّ، لكنّني وجدت اسم نهى مرفوقا بعبارة ” هذا الاسم الذي كرّره ابني عليّ أثناء غيبوبته، وقد سألت أمّه عنه، فأكّدت لي أنّها محبوبته، كما لم تصلني إلى حدّ السّاعة أخبار عنها أوعن أيّ محاولة للاتّصال بها”.
لقد أخرجني عمّي عبد الرحمن من دوّامة التّساؤل اللّصيقة بي منذ صغري؟ ما أُرسلتُ في صغري لشراء شيء إلّا وأكثرت بطرح الاحتمالات والصّعوبات التي يمكن أن تصادفني، أو الأسئلة التي يمكن للتّاجر أن يوجّهها لي، مردّ ذلك إلى نقص في الثّقة بنفسي، وإلى ضآلة الخبرة بالعالم الخارجيّ، إنّني أعيش داخلي أكثر من المطلوب.. أنتصر في أعماقي وأنهزم فيها.. أفراحي وأحزاني وهميّة في عالمي الهشّ، حينما أغضب من شخص فإنّني أكتفي بمقاطعته فلا أحدّثه ولا أردّ عليه،هذا حدّي الأقصى، ثمّ بعد ذلك أزعم أنّي انتصرت عليه.
أنا الآن أمام قبرها، وأنتظر مكالمة نهى التي تزدحم عليّ نسائم حبّها بأطباقها الشّفّافة حاملة فوقها وليمة متخمة، فيحاكي حالي حال ذلك الفقير الذي يستضيفه بين الفينة والأخرى أصدقاؤه الأثرياء، و فيما عداها فإنّ مائدته قاحلة.
لماذا ما زلت متحرّجا من صعودي النخلة لأنظر إليها قبل عشر سنوات.. يخالجني إحساس بأنّه مريب..يشبه إلى حدّ بعيد حالة التّجسّس الجنسيّ لمن لا يتفهم حالتي وذهنيّتي! فضيحة من العيار الثّقيل لو يطّلع عليها المغرضون، لكن يشفع لي أنّها كانت جالسة مع جدّها في ثياب محترم، تحمل كتابا.. إذا تمّت إدانتي فإنّه يجب أن يُدان كلّ الأطفال الصّغار الذين يتجسّسون على الكبار تجسّسا محرجا، الأمران سيّان في براءة النّيّة وصفاء السّريرة..
هذه الصّراعات الدّاخليّة تفاعلت لتطبخ قرارا ما، وتمهّد لمنحنى جديد في علاقتنا، لماذا لا أصارحها بعواطفي؟ لست محتاجا إلى أن أترافع أمامها لتبرير ظهوري في حياتها من جديد، يكفي أن أتقدّم مثل أيّ خاطب.. أم أنّني استطعمت العذاب؟ كالطّفل الصّغير الذي يتلهّى بتقشير الجرح، و يوم يبرأ يحزن لأنّه لا يجد ما يعبث به.. هل أنتظرها كي تدقّ على بابي؟ ربّما تمنّيت بسذاجتي لو أنّها تزوّجت لتبقى في عالم خيالي طيفا بعيد المنال..
تُمنح لي فرصة للأمل في زيارة إلى مكتبها سرا من بعيد لأتملّى بمنظرها، ربّما نسيت شيئا، فرجعت، عندما خرجت توقّفت مع السّكرتيرة قليلا، الفرصة تفتح ذراعيها لمن يطلبها، تأكّدت وكلّي نشوة أنّني لم أكن أعمى حين عشقتها، فهي امرأة جميلة وفاتنة، كم تطلّب من السّنوات لأعرف أنّني تعلّقت بامرأة أهل للارتباط والانتظار؟! الانتباه إلى الجمال والفتنة لا يكون إلّا بعد هدوء العاصفة، تركت العنان لقلبي يتلقّى من شلّال عينيها ما شاء من ضياء.. ثمّ ركبت سيّارتها لترجع إلى منزلها. كنت أنوي أن أتبرّع بدمي هذا المساء، لن أفعل ذلك لا قسوة وإنّما غيرة، لأنّ محبوبتي تسكن في كريّاته البيضاء والحمراء على حدّ سواء، وأخشى أن ينتقل حبّها إلى الشّخص المتبرّع له.
راودتني فكرة زيارة مكتبها متعلّلا بمشروع وهميّ، ولكنّني كبرت عن هذه الأدوار، حتّى هذا النظر من بعيد من المفروض أنّني تجاوزته، لذلك سأتقدّم لخطبتها في أقرب وقت، غدا بالتّحديد سأرجع إلى هنا من جديد ومعي أمّي، سأدخل من الباب لا من النّخلة.
فجأة تجتمع العائلتان لتشهدا خطبة ليست كباقي الخطبات، إنّها خطبة مهندسة من رجل أعمال، ورأتها نسوة في المدينة خطبة امرأة جميلة من رجل مبتور الذّراع.. المهمّ أننيّ انتهيت من مراسيم تغيير صورتها القديمة المخزّنة في الذّاكرة وأبدلتها بالجديدة، شيء واحد لم أبدّله، وهو هذا العطر الفرنسيّ الذي كان يُرقّي المحلّ كلّما دخلت، كما ملأ عليّ غيبوبتي، سمعت منها، وسمعت مني، وأعجبت بها، وأعجبت بي، تحدّثنا في العمل والرّياضة وفي السّياسة، حاولنا أن نبدو منسجمين في كلّ شيء، قارورة عطر الدّبلوماسيّة تكسّرت فعطرّت المنزل كلّه.. لم يكن مسموحا لنا أن نتحدّث في شيء واحد فقط هو الحبّ، أو بالأحرى قصّتنا، هذا إن كانت لنا قصّة واقعيّة مشتركة؛ فما بيننا إلى حدّ الآن لم يتجاوز المشاعر.
بترتيب من العائلة تمّ تزويدي بهاتفها؛ قدمته لي أمّي في ورقة مطويّة تماما مثلما فعلت بالرّسالة كأنّها تودعني سرّا حربيّا، يمكنني من الآن أن أتحدّث معها عبر الهاتف لأنّ إجراءات الخطبة قد تمّت، بعد شهر فقط سيكملون كلّ التّدابير اللّازمة، فعبارة (خير البرّ عاجله) تترعرع بحيويّة أكثر من اللّازم في مثل هذه المواطن.
مازلت في المقبرة أمام قبرها، فكرت في مهاتفة نهى،لأشكرها عن الرّسالة التي بعثتها لي بعد سقوطي من النخلة قبل عشر سنوات، فكلّمتها:
ألو ..كيف حالك؟
ـ آه .. عليّ.. الحمد لله، كيف حال الحاجّة أمّك ؟
ـ بخير.. هي تسلّم عليك ..
ـ إذا كانت بالقرب منك دعني أكلّمها ..
ـ لا أنا بعيد عنها..
ـ أردت أن أشكرك عن الرّسالة التي بعثت بها إليّ منذ عشر سنوات، حينما سقطت من النّخلة.
ـ عن أيّ رسالة تتحدّث؟ لا أتذكّر أنّي كتبت لك ولا لأيّ شابّ أيّ رسالة.
ـ الرّسالة المكتوب فيها (أنت رجل).
ـ آسف يا عليّ.. لا أتذكّر أنّني فعلت ذلك، لم أعلم بسقوطك إلّا عندما تقدّمت لخطبتي..أنت رجل وأكثر، لكنّني لست صاحبة الرّسالة ..
أحسست بخنجر الإهانة ينغرز في وريدي.. لم أقم بمكالمتي هذه إلا بنقل رفات حبّي من مقبرة بسكرة إلى مقبرة الجبل حيث تقطن هي، لا شيء جديد سوى إعادة مراسم الدّفن.. لم يكن بوسعي أن أنهي المكالمة إلا بمخاترات لا معنى لها ، ولكن من كتب الرّسالة؟ وما مصلحته في ذلك؟.. أم تراها هي من أرسلتها فعلا وخجلت من الاعتراف؟ نبرتها لا تؤكّد هذا، ولكن لماذا قالت: لست صاحبة الرّسالة ؟ أليس في كلامها اعتراف ضمنيّ بالرّسالة؟ إذن بقيت الحلقة الوحيدة وهي أمّي، لابد أن أكلمهّا الآن:
ـ أمي صباح الخير، من أعطاك الرسالة منذ عشر سنوات..
ـ نهى طبعا..
ـ أمي لا تجرحيني أكثر.. قولي الحقيقة، فقد أنكرت نهى الأمر..
ـ الحقيقة يا بني أنّني طلبت من إحدى الجارات كتابة هاتين الكلمتين، وأوهمتك أنّها من نهى لأنّني سمعتك تهذي باسمها في فترة غيبوبتك.
أحسست بعظمة ورحمة أمّي وقداسة حبّها، فعلى الرّغم من أنّها جعلتني أعيش وهما إلّا أنّني بفضلها عشت حلمي وسعيت إليه وأشرفت على بلوغه.. لماذا تكون عواطفي دائما مبنية على طرف واحد؟ أحسست أيضا بالدّونيّة العاطفيّة، مرارة أن أعيش لفترة طويلة إحساسا لا يشاطرني فيه الطّرف الآخر، الطّمع العاطفيّ مخز للغاية.. ترى كيف كان من الممكن أن تتشكّل حياتي في غياب هذه الرّسالة؟ الشّجاعة تنسحب في مثل هذه المواطن معتذرة بأنّ الموقف ليس من اختصاصها..حزنت حزنا شديدا لاكتشافي أنّ كلّ لياليّ التي قضيتها متناغما مع طيفها كنت فيها مخدوعا، لو علمت ذلك لما كان بهذه المتعة القاتلة ولا بهذا الشّقاء اللّذيذ، ما كنت لأسأل عنها ولا لأتتبّع أخبارها، بل كان ربّما الانطفاء هو مصير جذوة المشاعر، وكان من المرجّح أن يُطوى السّجّل عن حبّ قديم ليفتح الباب أمام آخر جديد أو أمام جفاف عاطفيّ شنيع .
أرجع إلى نفسي في المقبرة، مازلت أقابل قبرها،أبكي بكاء مرّا لا عليها، ولكن على هذا القبر الذي أحنّ أن أدفن فيه قريبا لأنّه بكل بساطة قبر ذراعي المبتورة المدفونة فيه قبل عشر سنوات دون شاهد.