النص للكاتب علي حسن بغداي

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

لنبدأ من العنوان الذي يعتبر اللبنة الأولى في البناء الدرامي لأي عمل أدبي، و هو الذي غالباً ما يكون السبب في جذب القارئ إلى التصفح في كتاب ما…؟ وهو بمثابة إشارة المرور التي تشير إلى السير الإجباري بهذا الاتجاه، أوذاك ،وهو الذي قد يكون السبب في النفور منذ النظرة الأولى من أي شيء. لنرى العنوان الذي اختاره الكاتب علي حسن بغدادي لقصته القصيرة ومدلولاته، ومدى خدمة العنوان للقصة.
ـ العنوان / الأنانية/ التي تشير إلى بداية كل مشكلة، فلولا الأنانية لما كانت هناك المشكلة أصلاً ، وفي الحديث الشريف( لايؤمن أحدكم حتى يحبه لأخيه مايحب لنفسه) فالعنوان هو الذي يعطي الملامح الأولية للنص إذا أفلح الكاتب في اختيار عنوان مناسب.
و باعتبار أن القصة القصيرة جداً مكثفة إلى حد كبير، ويضع الكاتب كلماته بكل حرص كما توضع أحجار الشطرنج في مكانها الصحيح، لنقرأ القصة جملة جملة، ولنرى المدى الكبير من التأويلات في هذه القصة ( سكنت بحي المضربين عن الزواج ) هذه الجملة الأولى من متن القصة القصيرة جداً هذا المتن الذي يفرض على كاتب القصة التقيد إلى حد كبير بشروطها كالتكثيف والاختزال والإضمار والانزياح، لذلك قد يطرح السؤال التالي هل يوجد في الواقع حي كامل مضرب عن الزواج. ..؟ لا أعتقد ذلك على الاطلاق، ومايرمي الكاتب إليه هو مجاز، فقد يجوز القول أن يأتي الجزء من الكل، أما أن يأتي الكل من الجزء فهذا هو المستحيل بعينه، قد يضرب شخص عن الزواج لأسباب عديدة منها الحالة المادية مثلاً، أو الظرف العام لبلد يعيش حالة حرب، فلايريد من فكر بالزواج مجرد تفكير أن يزيد وضعه المادي سوءاً ، إذاً مانحن بصدده في الجملة الأولى ليس مايقصده الكاتب ذلك الزواج الذي يحدث في الواقع، إذاً فهو زواج آخر أراد القاص تحريض فكرنا والأخذ به إلى سراديب الغموض الجميل في القصة القصيرة جداً، فلما لايكون ذلك الزواج مثلاً؛ كالزواج بين السلطة والمتسلطين الذين عقدوا القِران الأبدي مع السلطة، ويتم تداول هذه السلطة بموجب الأحقية الإلهية، ولا يتصوروا أن يحصل الطلاق، والفراق عنها ـ أي السلطة.
ومن هو المضرب في هذا الحي، ماهوإلا ذلك الإنسان الذي يبغي التحرر من تلك القيود التي حرمته من العيش الكريم محاولاً قول لا لتلك العصبة المتحكمة بالرقاب،
لنأتي على الجملة التالية ( تخلى الجميع عن مبادئهم، واقتربوا منها طمعاً في رضاها) من القراءة السطحية غير العميقة يفهم القارئ أن أولئك المضربين عن الزواج؛ هم الذين تخلوا عن المبادئ التي اتفقوا عليها يوماً ما عبر نضال طويل من أجل حياة أفضل، ولكن نرى بأن الجميع بدأ بالانسحاب والسير خفية للوصول إلى تلك الحسناء التي تجعل جميع أصحاب النفوس الدنيئة يركعون لها، ولكن لاحسناء هنا مادمنا اتفقنا أن ما يرمي إليه الكاتب ليس ذلك الزواج، ولا الحسناء تلك المرأة المغنجة التي تريد أن تلف الرقاب حولها، ومن باب التأويل الأقرب للمنطق هي تلك الهالة التي تحيط بكرسي شاغر في دائرة حكومية، يريد الجميع الوصول إلى ذلك الكرسي الذي يعطي للواصل إليه كل أسباب الجاه والوجاهة والسلطة والمال والتحكم بالآخرين، وما تلك الصراعات، وموت العديد إلا من أجل بريق السلطة، وكم من رجل تخلى عن مبادئه في سبيل تلك الأنانية التي نخرت ضميره، وأوشى برفاق نضال ساروا معه على درب الأحلام الممنوعة،
ومايحدث من أزمات سياسية في الكثير من البلدان العربية والصراع على السلطة هو خير دليل على ما أراد الكاتب قوله، ولأن الحرب لاتنهي أبداً أية مشكلة، ومن الممكن أن تسقط المئات من القتلى بل الآلاف، فلاسبيل سوى الاتفاق حول الشرعية التي رضخ لها حتى من كان على الحق، والصواب مرغماً ليشارك الطرف الآخر حول شرعنة السلطة ومقاستمها بين الحق والباطل رغما عن صاحب الحق، وما أجبر صاحب الحق على قبول ذلك إلا أولئك الذين باعوا أنفسهم بثمن بخس لأعداء الوطن كما يحدث حقيقة في العراق أقطار عربية أخرى …
وما تلك الحسناء إلا تلك السلطة الشرعية التي وافقت رغماً عنهاليتداولها الخيرون والأشرار إلى أن يحين الحق …