النص للكاتب فتحي بوسيدة

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

العنوان
جاء معرفة بالإضافة. أمّا المضاف فهو اسم فاعل يتّصل بالفعل”بحث”، و أمّا المضاف إليه فمصدر يتّصل بالفعل المزيد “انتمى”. و أمّا معنى الإضافة فهي إضافة على المفعولية، بمعنى باحث عن الانتماء. إذن ثمّة شيء ما مفقود، و ثمّة من هو بصدد البحث عنه. فالانتماء مفقود منشود. و هو الآن غير متوفّر.
و السّؤال: هل سيتوفّر في وقت ما؟
بداية النّصّ تطالعنا بحدثين مختلفين إلى حدّ التّقابل. أحدهما “تسلّل”، و هو فعل من دلالاته القيام بالفعل خفية، بعيدا عن الأعين، و يقابله في المعنى “صارخا”. فالصّراخ حدث يعلن جهرا عن قدوم المولود. و معلوم أنّ المولود يبدأ بالبكاء و الصّراخ لحظة الولادة. و هي علامة صحّيّة تشير إلى أنّه سليم معافى. أما إذا رافق ولادته الهدوء و السّكوت فتلك إشارة إلى علّته. و من الواجب البحث عن السّبب و تدارك الأمر سريعا.
و مولود هذه القصّة سليم لا علّة فيه أصلا و بداية. و منذ خروجه للحياة كان له هاجس واحد لا غير: الانتماء إلى وطن يشبهه لغة
و روحا. فمن يكون هذا المولود؟ أو ما يكون؟
البحث في الماهية باب يدخلنا إلى حقول من التّأويل و التّخمين.
أ هو هذا الإنسان المشرّد المنفي بعيدا عن أمّه الوطن بعد أن أجبر على الهجرة لسبب أو لآخر؟ أم هو الغد المنشود و الذي أراد أن يجد لنفسه موطئ قدم وسط هذه التّغييرات المتسارعة التي نراها هنا و هناك في هذا العصر؟
إن مباركة المولود الجديد قد تمّت، و أُسمِع الآذان تلك السُّنّة الحميدة التي دُئِب عليها، و هي، بطريقة أو بأخرى، نوع من الانتماء: الانتماء إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة. فالمولود الجديد له رغبة في الانتماء إلى هذا الفضاء الحضاري، أو هكذا أُريد له.
لكنّ المفارقة أنّ هذا المولود”مات مختنقا” لحظة الولادة، لا لعسر في المخاض ولكن بسبب الظروف التي أحيطت به، و هي
” أخلاط البخور”. طبعا لا يخفى ما لهذا التّركيب من إيحاءات خفيّة. فالولادة قد حصلت، و المولود في صحّة جيّدة على ما يبدو، فهو قد صرخ صرخة الحياة. ولكنّ المشكل الواضح في من تلقّفوا المولود: لم يحسنوا وفادته، خنقوه بخلطاتهم الجهنّميّة و إن بدت في الظاهر من أجود الخلطات. عود البخور الأزرق عنوان جودة، ولكن هل نفع؟
مولود القصّة جاء “متسلّلا:، و ربّما هذا إشارة إلى سبب من الأسباب التي تمهّد للموت في المهد. فلم يكن هذا الحدث مخطّطا له، بل جاء غفلا و في لحظة هاربة من الزّمن. ليست هناك أرضية ممهّدة، و ليس هناك من يقوم على هذه الولادة و يقودها فعليّا كما حدث عهد النّهضة الغربيّة مثلا.
و ربّما العلّة ليست فيه كما أسلفنا، بل في من يستخدم هذا العود او الخلطات عموما.
الوليد منتظر، و الحلم بأن ينشأ سليما و يشبّ سليما حلم مشروع. فمتى نحسن استقبال مولودنا، لأنّه حدث نخشى ألّا يتكرّر.
الخلاصة هذا النّصّ، في نظري، يصوّر بطريقة غير مباشرة ما آلت إليه محاولات التّغيير هنا و هناك، و موت بعضها للأسباب التي ذكرنا سابقا و أشار إليها النّصّ إيحاء.
قراءة تبقى ذاتية من ضمن قراءات أخرى ممكنة طبعا.