النص للكاتب أسامة الحواتمة
النص على مجلة لملمة من هنا
القراءة
إن القصة القصيرة جدا عبارة عن بيت مغلق بعدد قليل من النوافذ التي تخبرنا الكثير بأقل ما يمكن من الكلمات،
وهنا أجاد القاص أ. أسامة بتكثيفة لحالة بصرية أسقطها بإتقان على واقع يعاش و حالة من إزدواجية صنع القرار التي تجعلنا نقف حيارى من صواب فعلنا أو خطئه.
ديبلوبيا لم يأتِ العنوان عبثا بل جاء بمكانه المناسب و أكاد أجزم أن القاص اختار العنوان سلفا و على أساسه بنى النص، على غير عادة الكتاب أحيانا،
معنى ديبلوبيا هو إزدواجية الرؤية أو تعدد الرؤيا أو الصورة لشيء واحد، بمعنى أن أحد هذه الصورتين هو حقيقي والآخر كاذب.
والإسقاط هنا جاء ليبين حالة من التخبط التي يمر بها الشخص و التسرع في اتخاذ القرار الذي ربما جاء بمصيبة لصاحبه لعدم التحقق من صحته أو عدم رؤية ما يترتب عليه من تبعات.
ابتدأ النص بفعل والذي يشير إلى الراوي بأنه رأى مخلوقا أو طائرا يرفرف فوقه بجناحي غراب أي أن الجناحين للغراب ولكن من هو هذا المخلوق؟ لا أحد يعرف، ربما هو غير حقيقي وقناعه يدل على خراب وذلك بدلالة الغراب الذي يشير إلى الشؤم و الخراب، كناية عن الشر الذي يلوح في الأفق.
اهتزت القوائم، وذلك كناية عن رعشة خوف أو استيقاظ من سبات عميق جعل قوائمه تنتفض إيذانا لرد فعل على ما رآه. ولكن بعد أن تيقن بالخطر المحدق قرر أن يسقط هذا الطائر بإطلاق الرصاص عليه و بالفعل أطلق الرصاص و لكن هنا كانت الصدمة، إذ شعر بأن خطبا ما أحل به و شيء أوقف الدم في عروقه و عطل أطرافه بقوله
(تشنجت مخالبي)، و هنا إشارة على أن الطائر من الطيور التي تحتل مكانة كبيرة و عاليه و أيضا إشارة للغرور، حيث استبعد أن يكون هو الضحية، و معنى ذلك عدم قدرته على الحركة بعد إطلاق النار، حيث أن الرقود لفترة طويلة ربما و الخمول جعل مجال الرؤيا صعبا و سرعة الطائر ربما سبقت أي رد فعل للضحية، فبالكاد استطاع تحديد زاوية للقنص و ما أن أطلق النار حتى تبين له أنه لم يصب الطائر الذي يحلق فوقه بل أصاب نفسه بجناحه الأيمن، و ذلك نتيجة لحالة ازدواجية الرؤيا التي ألمت به نتيجة عدم تمرسه لفترة طويلة أو ربما لهزاله وعدم تمكنه من التصويب و إصابة الهدف،
وهنا نعرف أن للنص أبعادا و أصداء أخرى غير التي ظهرت أو التي ذكرها الكاتب بل هي أبعد من ذلك بكثير، حيث أن الطائر هذا الذي يطير بجناحي غراب ما هو إلا مجموعة من الأخطار و الأعداء تعددت مطماعهم كتعدد جنسياتهم و أصولهم، و التخطيط للنيل من الضحية كان مخططا له، كما يحدث الآن فكل شيء مدبر و كل شيء مرسوم و حال العرب وبلادهم كمن غاب في سبات عميق و لم يتنبه لما يدور حوله إلا بعد اقتراب الخطر، وحين أردنا أن ندرأه؛ لم نحسن الرماية والتصويب، و كل ما فعلناه و حققناه هو قتل أنفسنا بالتناحر فيما بيننا مما أضعف أمتنا و أطاح بنا إلى الهاوية.
نص محبوك بشكل جيد ومدروس، الإيحاءات والإسقاطات فيه لا تتوقف ومستمرة بتكرار القراءة وهذا ما تنطوي عليه القصة القصيرة جدا من رمزية و مفارقة تجعلنا نصوغ الفكرة ونحللها و نسقطها على الكثير من المواقف المشابهه.
عدم الوصف أبقى الضحية مجهول الهوية والجنس وذلك ما جعل النص مفتوح لعدة تأويلات و رؤى

