النص للكاتبة مرح صالح
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
العنوان:
“سياسة” هو عنوان مفرد نكرة دال غير كاشف للنص. سياسة مشتقة من الفعل “ساسَ”: (ساسَ يَسوس ، سُسْ ، سِياسةً ، فهو سائِس ، والمفعول مَسوس :-
• ساس النَّاسَ حَكَمهم، تولّى قيادتَهم وإدارةَ شئونهم :-كان الخلفاء الرَّاشدون يسوسون النَّاسَ بالعدل.
• ساس الأمورَ: دبَّرها، أدارَها، قام بإصلاحها :-لم يحسن سياسة الشُّئون الدّاخليّة، – يسوسون الأمورَ بغير عقل … فينفُذ أمرُهُم ويُقالُ ساسه.
• ساس الدَّوابَّ: روّضها واعْتَنَى بها :-يسوس الخيولَ)(١)
كل ما عرفناه عن القصة قبل الدخول في متنها هو العنوان “سياسة” ولكنها كلمة مفردة نكرة وشاملٌ مدلولُها فلا نعرف عن أي سياسة تلك التي في متن القصة إلا بعد الولوج به قراءة وتحليلا. وكما يقول الشاعر: لا يستقـرّ عـلى السـيـاسة مبــــــــــدأٌ
إن السـيـاسة زئبقٌ رجــــــــــــــــراج (٢)
المتن:
(وضعَ خطّهُ الأحمرَ أمامَ مداسنا، أعطانا شارةَ التحليقِ، رأيتهم يهرولونَ بلا رؤوسٍ… خانتني أجنحتي؛ كنتُ أوّلَ الواصلينَ بلا أرجلٍ.)
برأيي. أفضل تحليل لحدث أي قصة هو الذي يبدأ وينتهي بشخصيات القصة:
* شخصية “الهو” شخصية مستترة الضمير الفَاعِلَة للفِعلَين: (وضع) و(أعطانا). وجاء تنكير الفاعل بالاستتار تَمَاهيًا مع العنوان “سياسة”، إذ أغلب سياسات الظلام والتعتيم -بحسب مفاتح التأويل لهذه القصة- تُطبخ في الخفاء بشكل مختلف تماما عن شكلها المعلن للتنفيذ. هنا، شخصية “الهو” شخصية قيادية حاكمة تبدأ من مستوى العائلة حتى رأس هرم السلطة في أي مجتمع.
* الشخصية المقابلة في النص هي شخصيةٌ متصلةُ الضمير -“نا” أي: “نحن”- وتشير إلى قاعدة المجتمعات والشعوب القائمة عليها أهرامات أيُّ سلطة سياسية.
(وضعَ خطّهُ الأحمرَ أمامَ مداسنا، أعطانا شارةَ التحليقِ)
هنا، من المفترض أن يضع “الهو السلطوي” خطوطَه الحمراء الممثلة للقانون لتنظيم المجتمعات لترتقي، ولكن يبدو الأمر مختلفا في هذه القصة، لقد وضع خطَّه الأحمر أمام “مداسنا” أمام موطئ أقدام الشعوب منعا لها من أبسط حرياتها المشروعة وهي الحركة: الحركة للمجد، للرقي، للعيش، للرزق، حتى الحياة الطبيعية. فاستخدام الظرف المكاني (“أمام” مداسنا) يحيل إلى هذا الحد من التسلط لا السلطة.
ثم يأتي الحدث التالي: (أعطانا شارةَ التحليقِ) ليكشف للقارئ عن صورة سلطوية، أبشع ما تسوس به السلطةُ شعبَها في أجملِ تصويرٍ أدبي يستحقه الوصف، كيف يكون ذلك؟!.. يضعُ بإحدى يديه الخط الأحمر وبيده الأخرى يعطي شارة التحليق! وأي تحليقٍ هذا! هل هو تحليق الحرية الحقيقية أم تحليق الحرية المبطونة بالموت -كما تحلق الأرواح من مدارج الأجساد؟
يبدو ذلك جليًّا، في الحدث التالي: (رأيتهم يهرولونَ بلا رؤوسٍ… خانتني أجنحتي؛ كنتُ أوّلَ الواصلينَ بلا أرجلٍ.)
هنا، برزت شخصية أخرى، هي * شخصية الشاهد المستترة -“أنا”- عن شرور “الأنا” السلطوي، ثم ما لبثت أن تظهر وسط مجتمعها المكبل بالخطوط الحمراء إلا ورأتهم (يهرولونَ بلا رؤوسٍ…) هرولةَ الدَّاجِن المذبوح بينما ينتفض ليهرول على أرجلٍ بلا رؤوس. وهذا حال مجتمعاتنا اليوم تهرول في حلبة مداسها بلا عقولِ إرثِنا المجيد. – ويكأنها تلك الكلمات المحذوفة بنقاط الحذف!.
(رأيتهم يهرولونَ بلا رؤوسٍ… خانتني أجنحتي؛ كنتُ أوّلَ الواصلينَ بلا أرجلٍ.) ثم تحاول شخصية الشاهد أن تحلق بأجنحة جسدها الداجن -الذي لم يعتد على التحليق من سياسة الظلام والتعتيم- لتحلق وتنجو بعقلها ولكنها ما لبثت إلا وأنْ دَجَنَتْ أجنحتُها خَائِنَةً لها لتسقط في أرض الواصلين ولكن بلا رجلين أي بلا قوة، سقطت شخصية الشاهدة بأرض الواصلين محتفظةً بعقل إرثها المجيد ولكن دون حول لها ولا قوة.
سياسة
وضعَ خطّهُ الأحمرَ أمامَ مداسنا، أعطانا شارةَ التحليقِ، رأيتهم يهرولونَ بلا رؤوسٍ… خانتني أجنحتي؛ كنتُ أوّلَ الواصلينَ بلا أرجلٍ.
م.مرح صالح..سورية
أهنئ القاصة المبدعة الأستاذة م.مرح صالح على حبكها ونظمها سردًا وشعريةً، ولو أنني تمنيت أن تُوضع فاصلة منقوطة بعد كلمة (التحليق) لأن النتيجة أتت بعدها مباشرة. وأيضا لو اُستبدلت (بلا أرجل) لتحل محلها “بلا أقدام”. نعم، سيكون نفس المعنى ولكن بشعرية أجمل.
لتكون القصة بهذا الشكل:
سياسة
وضعَ خطّهُ الأحمرَ أمامَ مداسنا، أعطانا شارةَ التحليقِ؛ رأيتهم يهرولونَ بلا رؤوسٍ… خانتني أجنحتي؛ كنتُ أوّلَ الواصلينَ بلا أَقدَام.
سرد رائع واختزال وتكثيف ورمزيةُ مشهدٍ درامي برسم الامتياز. كل التوفيق للقاصة المبدعة.
المراجع:
(1): (معجم اللغة العربية المعاصرة).
(2): (الشاعر: أحمد الصافي النجفي).

