النص للكاتبة جمانا العامود
النص على مجلة لملمة من هنا
القراءة
القصة القصيرة جدًا عمل هندسى تحوطه إلهامات الروح …خطوط تتجمع و تبتعد لتشكل أبنية من خيال و توتر فعال .قارئها يقف فى منتصف الدائرة ، تشغله التخوم البعيدة ،و تلك السحب المبهمة التى تحمل البشرى و الهلاك أيضًا . هى تختلف يقينًا عن الحكاية المحددة تحديدًا معدوم الأصـــداء و الترددات , و لنا أن نقارن أمثلة من هذه الحكايا بسـيطة المقصد _( أحبها ثم تزوجها بعد صعوبات قابلتهما) أو (اكتشف خيانتها فقتل العشيق و هو الآن يقضى عقوبة قاسية بالسجن) مثلا وبين هذا النص القصير جدًا.. الشاسع الامتدادات تأويلا و رؤية و تفسيرًا و تلوينًا.
فلننظر ابتعادًا عن تقليدية السرد فى الحكى العادى و توسل الشعرية طريقًا و اتكاءة إلى الاستهلال المنساب: “بعد منتصف الحلم، سرى قاصدًا”، كل كلمة هنا تتحصن بالوظيفية الخادمة للســــــياق , فالتوظيف الدلالى لتركيبة “بعد منتصف ( الحلم )” و ليس الليل هى بداية تنقل القارىء فى لحــــظة من عالم الرتابة والتسلسل الفج للحياة العاديـــــــــة، لتمثل العالم الآخر الموازى للتصور و الخيال .. و تقسيم الحلم إلى بداية و منتصف و نهاية ينبه إلى ســــمة التأزم فى وضعية الانتصاف أو رأس المثلث أو الذروة حسب التقسيم البنائى لتكوين القصة القصيرة مثلا حيث احتدام الصراعات و اضطرابها الصارخ.
“سرى قاصدًا ” …!!!، وليس ذهب أو مشى أو اتجه بل هى ( سرى ) والسرى هو السير ليلا غالبًا بما فيه من خفة و انسياب و ربما صمت و سكون و هيبة ،و القصــدية تحدد التعمد و التحديد الدقيق للمكان ،فإذا كان الهدف المقصود من هذا الســــير الخاص هو فراشها ،فيمكننا تصور ماهية الحلم المحتدم الذى ربما كان اضطراب ذروته هو السبب فى استيقاظه فى منتصفه و قبل نهايته .أو _ و تلك هى براعة الكتابة _ تصوير الأمر فيما بين منطقتى الحلم و الواقع.. الخيال والحقيقة، فهو سيكمل فى الحقيقة ما عاش خيالا فى حلمه الذى صحا منه فى منتصفه، وكما يبدو فإن الاستيقاظ لم يكن كاملا بل إنه عايش حلمه فى نصف يقظة، فكان (حالمًا \ مستيقظًا ) فى حقيقة الأمر،لكن النائــمة المتفاجئة ليست فى نفس طريق القطار لذا فقد أخرجته بعنف من حلمه الآثم فاســـــــتيقظ أمام فراشها بما يماثل “سرنمة” عاشها طوال الفترة الماضية فى السير نائمًا.
النص صور فى خاتمة النص ( المشهد ) المتســـارع اضطرابًا كيفيات الخروح اللحظى العارم من عالم الحُلم و الخيال و الشــعرية _ و مشاعر الحس الشبقية
المتطرفة _ إلى رمادية الواقع الكثيب الداعى إلى الاشمئزازباســــتدعاء رائحة الثوم الكريـــهة المصاحبة له ،هذا التوظيف لهذه النقطة هو كصب الماء المثلج
على جسم مستحمٍ بالماء الساخن فى قلب الشتاء بالغ البرودة ،هو استخدام مقصود و موظف بتقابله الحاد الصارم.
أما “طوى طريقه لاهثًا”، فهو استخدام بلاغى دال فى سرعة الهروب المهزوم المنكسر.
العنوان التناصى الدال:
الأصل هو ” مجنون ليلى ” قيس ابن الملوح , فى إهابه الرومنسى، لكن القلب للمفهوم استدعى تغيير الإسم إلى زمن اعتمادًا على النطق الحروفى المتشــابه (ليلى وليلة) كنوع من السخرية السوداء من “ليلى العامرية “إلى (ليلة) تجرى فيها أحداث ما. التناص فى العنوان التحم مع المتن عضـــــــويًا،فأصبح جزءًا منه مع المفارقة والتناقض بين جنون الهوى المشبوب و جنون الشهوة العمياء العشــوائية التى زمنها ليلة مضطربة بأصوات الشـــياطين و تراقصها فى خيال الرجل الحالم .
الكاتبة تتعامل مع نصوصها وفق مخطط رياضــــــى كما قلت، تحسب فيه كل الحسابات، وتقيس الزوايا بدقة لتنشىء تكوينها الهندسى الفاره. كل التقدير و التهنئة .
