للكاتب صابر الجنزوري
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
التصنيف
لقد حقق النص العناصر المطلوبة في الأدب الحداثي من حيث المبنى والمعنى مما جعله في عداد الفن القصصي وينتمي لجنس القصة القصيرة التي ظهرت في مطلع القرن الماضي في بلادنا العربية وقد بدأت قبل ذلك في أوروبا وإيطاليا بأشكال مختلفة وتعد من أحدث الفنون الإبداعية حيث أنها ظهرت من حوالي قرن ونصف القرن على مستوى العالم كله واختلفت الآراء حول طولها ، وقد ظهرت في الفترة الأخيرة قصص لا تزيد عن بضعة أسطر ونصنا هذا يندرج ضمن إطارها فكرة النص : بنى الكاتب حبكته السردية للأحداث على فكرة سامية وعلى حقيقة واضحة كعين الشمس ألا وهي أن الإسلام دين العدل والاعتدال ، دين السلم والسلام ، والشريعة الإسلامية شديدة الحرص على توجيه سلوك الإنسان وأخلاقه وحماية حياته من أي اعتداء لقد مدح سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إحياء النفس وذم قتلها فقال تعالى : “من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً .” سورة المائدة آية ٣٢ .
لقد حرم عزّ وجلّ أن يقتل الإنسان نفسه فكيف بالآخرين .
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن الرسول ( ص ) قال : من تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالداً مخلَّداً أبداً ، ومن تحسَّى سماً فسُمّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالدا مخلَّداً فيها أبداً .
فيا ويلٌ لمن يحلّل قتل الناس ويوهمهم بانه الطريق لدخول الجنة .
العنوان
أعطى هوية للنص ولقد جاء مركَّباً من كلمتين (خريطة ) و ( الجنة ) جنَّة : اسم ، والجمع جنَّات وجنان وجنات النعيم : الفردوس السماوي . ولقد أتت كلمة الجنة مضافة إلى لفظة طريق ، والطريق : اسم ، والجمع هو طُرُق أو طرقات والطريق الممر الواسع الممتد . ولقد قيل الرفيق قبل الطريق ، وحاد عن الطريق : مال به عنه ، شقَّ طريقه : كدَّ ونجخ ، والطرق المشروعة : وسائل لا تخالف القوانين المتعارف عليها ، ومفترق الطريق : ساعة الفصل والحسم . ولقد قصد العنوان وكما توضِّح الشروح أنّ الطرق المشروعة للجنّة لا تخالف تعاليم الله سبحانه وتعالى وقوانينه بل تحتاج للكدّ والنجاح في الطاعة ، لا أن نميل عن طريق الحق باتِّباع الفئة الظلامية والتكفيرية فهؤلاء هم رفاق السوء الذين سيبعدونا عن الرفيق الأعلى في ساعة الفصل والحسم ساعة لقاء وجهه الكريم .
السرد القصصي.
جسد النص
استهلَّ الكاتب نصه بكلمة ( مسافة ) ووصفها بأنها ( صغيرة ) وبأنها ( لم تكن من الصعوبة ليقطعها ذو الملامح الجامدة ) وهذه الكلمة أخذت المفاتيح من العنوان لتفتح أبواب القصة وتدخلنا في رحابها ، ومفردة المسافة جاءت هنا ثنائية الأبعاد حيث دلَّت على البعد الزمني القصير الذي قطعه شيخ الإرهاب صاحب الملامح الذي لم يرفّ له جفن وهو يرسل الشاب الصغير لقتل الأبرياء . اما البعد الثاني الدلالي لكلمة المسافة هو بعدٌ مكانيٌّ متمثل في خطوات قليلة يمشيها الشاب لمكان التفجير فينتقل فورا للجنة بحسب زعم شيخ الفتنة الذي تبجح قائلا : ( الجنة الموعودة والقصور والخمر والنساء كل الشهوات هناك يا بنيّ ) هذه الجملة التي لخَّصت حوارا قاصرا صوَّر وعد الله الحق لعباده المؤمنين بأنه مجرد شهوات حيوانية يمتلكها الإنسان فور ضغطه على الحزام الناسف ، ولكن حاشا وكلّا أن يكون هذا هو المقصود بالآيات الكريمة وبمعانيها السامية ، قال تعالى في وصف أهل الجنة ( يطوف عليهم ولدان مخلَّدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يُصَدَّعون عنها ولا يُنزِفُون ) سورة الواقعة . اي لا تصيب شاربها بالصداع ولا تستنزف عقله كما فعل الشيخ الآثم مع الشاب الغرّ الذي أسكره بخمر الكلام المسموم .
وأما الحور العين فهي من عالم الغيب والتصديق بوجودها كالتصديق بوجود الملائكة والشياطين .
عن المقدام بن سعدي كرب قال : قال رسول الله ( ص ) للشهيد عند الله ست خصال : يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده في الجنة ، و يُجار من عذاب القبر ويأمن الفزع الأكبر ويوضع في رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير في الدنيا وما فيها ، ويُزوَّج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين من أقاربه.
هذا هو ثواب الشهيد وليس ثواب من يقتل الأبرياء ظلما وعدوانا طمعا بالحور العين . ولقد تمَّ ذكر الحور العين في ستة أحاديث . وتعتبر مسألة الحور العين من مسائل الغيب التي أخبرنا عنها المولى في كتابه العزيز فلذلك التصديق بها من صميم العقيدة وهي مسألة لا تحتمل الخلاف ،أمّا معرفة ماهية هذه الحور العين هي مسألة اجتهادية وتحتمل أكثر من رأي ، ولكنها بعيدة كل البعد عن رأي بطل القصة الشيخ الإرهابي ذاك المجرم الذي فسرها كما يحلو له ووضع شروطا للحصول عليها مرتبطة بالقتل والإجرام . ولقد وردت الإشارة للحور العين في خمس آيات في القرآن الكريم ، في سورة الصّافَّات ( وعِنْدَهُمْ قاصرات ُ الطرفِ عينٌ ) آية ٤٨ ، وسورة الدخان ( كذلكَ وَزَوَّجناهُم بحورٍ عينٍ ) آية ٥٤ ، وفي سورة الطُّورِ ( مُتَّكِئينَ على سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجناهُم بحورٍ عينٍ ) آية ٢٠ ، وفي سورة الرَّحمن ( حورٌ مَقْصوراتٌ في الخيامِ ) آية ٧٢ ، وفي سورة الواقعة ( وحورٌ عينٌ ) آية ٢٢ . وإذا تابعنا في النص ( منحه الوعد منحه المال ) نرى الشيخ المجرم وهو يمدّ الشاب بالمال وذلك بفترة سبقت تنفيذ الجريمة ونسمع وعوده بالهبات الربانية التي مافتئ يهمس بها في أذن الشاب الذي لم يستغرق معه وقتا طويلا للاقتناع .. ولقد تشظّت إيحاءات كلمة ( الوعد ) لتضرب إسفيناً في الخطاب الديني السليم الذي نفتقره في مجتمعنا بينما وَشَتْ كلمة ( المال ) بالحالة الاقتصادية المتردية في بلادنا نتيجة الفساد وممارسات بعض النظم القمعية مما سهَّلَ ويُسَهِّل عمل الإرهاب .
ومن ثم يتطور الحدث من خلال استمرارية السرد ليصل بنا إلى الذروة منتجا عقدة سردية من خلال تشبيهات صادمة ( صار كميِّتٍ بين يديّ مُغَسّله ) فالشاب هو المشبه والميِّت هو المشبه به ، والشيخ هو المشبَّه والمُغَسِّل هو المشبَّه به . ولقد اعتمد لفظة المُغَسّل لما فيها من معانٍ تتوافق مع الوحدات الدلالية في النص ، مُغَسِّل : اسم فاعل من غَسَّلَ .
مَن حرفته تغسيل الموتى وتجهيزهم للدفن . والغُسْل تمام غَسْل الجسد كله ، وشيء مغسول وغسيل ، والجمع غَسْلى وغُسَلاء . وغَسَلَ الشيء : يَغسِلُهُ غَسْلاً وغُسْلاً .
فها هو المُغَسِّل يقوم بغسل دماغ ضحيته القاتل المقتول بآن معا ليجعله يمشي إلى مكان التفجير وليوظِّفه في سياق وحشيّ يعزله عن إنسانيته ليحقّق مآربه الخبيثة في التأثير في الوجدان العاطفي للشاب الجاهل متلاعباً بأهوائه وعواطفه .
هذا وقد شابك الكاتب حدث المشي ( على خارطة الطريق لجنته مشى ) بإشارات واضحة من إيحاءات الحزام ( بعد أن ضغط على الحزام ) و الحزام ُ : ما حُزِمَ به من حبل ونحوه ، أخذَ فلانٌ حزام الطريق : نهج نهجما قويما ، شدَّ للأمر حزامه : استعدَّ له ، حزام الامان / حزام السلامة : نوع من الأحزمة يستعمله ركاب الطائرة والسيارات لسلامتهم ، يضرب تحت الحزام : يهاجم هجوما غير مشروع .
ودلالات المعاني هنا ساهمت في اكتناز السرد وأضاءت خفاياه وباحت بما أراد الكاتب قوله فبدلا من ان ينهج الشاب نهجا قويما ويستعد لدخول الجنة وكأنه يموت غداً وبدلا من أن يشدّ حزام الأمان ليؤمن سلامته من نار جهنم ، نراه يهاجم هجوما غير مشروع بالضغط على الحزام الناسف ، حيث ارفق الكاتب فعل ضغط بشبه الجملة على الحزام ليحقق الالتزام والاتصال بينهما و ليضع الحزام في نصاب المعنى المستخدم كوسيلة للتدمير وليخرجه عن سياق معناه الأصلي.
ثم أتت عبارة ( سبقه نصفه السفلي إليها ) لتحمل الأثر المُخَرِّب لتعاليم الإرهاب الآثمة ولتفضح الفكر السوداوي الذي أخذ على عاتقه الوعد بتأمين الشهوات الحيوانية للشباب وإفراغ الجنة من معناها ومفهومها السامي .
ولقد توزعت شخوص القص بين صاحب الفكر الضبابي وبين الشاب الصغير وبين ضحايا التفجير الذين غاب ذكرهم وحضرت دماؤهم الذكية لتتناثر في الفضاء الزمكاني الفسيح الذي لم تحصره التقنية الحكائية في مكان التفجير بل أطلقته على خارطة الطريق إلى الجنة لتبيّن أن الإرهابي لا دين له ولا حدود
الخاتمة : أتت واسمة لفكرة النص القائمة على وجوب ان ندخل في حالة حرب وجود حقيقية مع الإرهاب لمنعه من اختراق عقول الشباب وجعلهم جيلا ناقماً كما اكدّ الكاتب من خلال نصه المتكامل مبنىً ومعنً والذي حشد له كل ما يملك من أساليب إقناع على ضرورة حشد كل الإمكانيات والفعاليات الوطنية ومَتْرَستها في خندق واحد لترفع شعار الدين لله والوطن للجميع .

