للكاتب حسن علي البطران
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
تمهيد …
نحن أمام قصة قصيرة جداً.. العنوان فيها مثير.. يصلح وحده أن يكون قصة من قصص الومضة التي تتشكل الآن في وجدان الأدب الحديث، ولم ينتهِ رسم القواعد والأسس والعناصر التامة، كتلك التي أصبحت راسخة في بحور الشعر، والشعر الحر {شعرالتفعيلة} وفن كتابة القصة القصيرة، والقصيرة جداً.
لذا وجب علينا وضعها على مقياس وميزان التحليلي طبقاً للمناهج والأسس والقواعد والعناصر التي استقر عليها الكثير من مدارس النقد والمتخصصين وهي :
ـ العنوان : وما يشكله من سماء وخلفية تدور في فلكه القصة القصيرة جدًا، ويعكس الجو العام للفكرة والشخوص والأحداث.
ـ البدايـة : بمعني الإستهلال الذي يؤطر إلى البناء السردي الذي يؤسس للفكرة من خلال اللغة المستخدمة، ومفردات المبدع، وتنامي الأحداث ورسم الشخوص .
ـ العقدة : وهي نقطة الصراع الدرامي للقص التي يريد المبدع عرضها على المتلقي، وبما تحمله من تشويق ومفارقة، ومن ثم العمل على حلها .
ـ النهاية : التي تعني في هذا الجنس بـ {القفلة} وما تحمله من نفاط التنوير والدهشة .
على هذه القواعد هيا بنا نفرأ تلك القصة القصيرة جداً.
القراءة والرؤية التحليلية
ـ العنوان (كتب على أغلفتها أغبرة) …
جاء العنوان كاشفا، في صيغة تقريرة فضح النص قبل القراءة، وأشفقت على”الكاتب” على كيفية تسير السرد المشوق؟ وصنع الدهشة للمتلقي .
ـ الإستهلال: بالفعل الماضي بدأ “الكاتب” النص …
(اهتمت بجمع الكتب)
الذي يجعل عقل المتلقي يسبح في سماء “الكاتب” ويتسع ليستقبل ما يريد سرده، وتتفتح معه الأوردة.
فمن تلك التي اهتمت بجمع الكتب ؟.
وأى كتب تلك التي أخذت اهتمامه ؟.
أسئلة لا حصر لها ممكن أن تثار حول هذه الجملة الأساسية.
فمن المعلوم في هذا الجنس من الأدب التكثيف والاختزال، والإتيان بالجمل الأساسية التي لا غني عنها، والإستغناء عن الجمل الثانوية، والتكرارية التي تصيب السرد بالإسهاب والتطويل دون داع، وإن كان هذا مسموح به في القصة القصير إلى حد ما حسب وقع الأحداث.
ثم يقع “الكاتب” في المطب ذاته مع الجملة التالية، ويبدأها بجملة ثانوية …
(وإن كان) فهذا حرف يتبعه فعل يمثلان جملة ثانوية أراهما زائدين …
(اهتمت بجمع الكتب.. الغبار يغطي أغلفتها.. تعلق بها)
سرد متسارع متنامي.. يحتوى على أربعة أفعال، ويحتفظ “الكاتب” بالسر مما يجعل التشويق لدى المتلقي في قمته .
ونعلم نحن أن هناك أنثي شغوفة بجمع الكتب, ولو كان يعلوا أغلفتها التراب أو الغبار، ودلالة ذلك عظيمة لدى الشخص الذى تعلق بها، والإفتراضات التي دعت للتعلق بها، وإنزياحاتها المتعددة \ الذكاء \ الثقافة \ حب العلم \ التعلم \ التدين .. الخ .
وهنا نلاحظ “البداية” الجيدة التي أسس بها “الكاتب” للولوج إلى لب الفكرة، والأحداث، غير أنه حدد لنا شخوصه .
ثم نأتي إلى “العقدة” وما تحمله من صراع …
(مشى خلفها في الطرقات الضيقة.. إلتقى بها في مكان مغلق ؛ من غير محرم، وستائر تغطي نوافذه .. كسر نافذة بحجة عدم وجود هواء . !)
أسلوب سردي سلس، وهادئ ينقلنا للأحداث، وينقلها لنا طيعة متهادية، وإن جاء بها بعض الهنات البسيطة
\مشى خلفها في الطرقات الضيقة \ إلتقيا في مكان مغلق \ من غير محرم \ الستائر تغطي النوافذ \ كسر نافذة بحجة دخول الهواء .
وهنا لابد لنا من وقفة للدلالات التي أراد “الكاتب” أن يعبر عنها في هذا المقطع …
الدلالة الأولى أن (البطل، والبطلة) شرقيان أو في بيئة محافظة، وهذه البيئة لا تسمح بالإلتقاء بدون محرم .
والدلالةالثانية: كسر نافذة .
وهنا بيت القصيد, وانزياحاتها أيضا كثيرة \ خدش الحياء \ التطاول بنظرة أو لفظة خارجة \ ضحكة ماجنة .. الخ .
دون التزيد في الدلالات الأخري لطبيعة المجتمع الشرقي، ومن هنا برع”الكاتب” في تجسيد النهاية (القفلة) وجاء به على غرار النهايات للقصص القصير, وأظنه آت منها إلى كتابة هذا الجنس من الأدب، ووضعه في قالب ديالوج ممتع.. بالسرد الرائع والتورية العميق …
– قالت له:
\أغلفة كتبي عليها غبار \ ولون هوائي أظنه يختلف عن لون هوائك \ حتى في فصل الشتاء يبقى لوني مختلفا \ خلعت نظارتها \ غادرت المكان ..!!
اختار ” الكاتب” جمل متحركة بذاتها، في تقطيع خبير.
وما تعنيه (البطلة) على لسان الرواي ـ هوائي يختلف عن لون هوائك ـ حتى لون برودتى يبقى لونى مختلف.. وهي دلالة على العفة والطهارة لمن ظن أن الثقافة والعلم والتعلم، والباحثة عن الكتب القديمة ذات الأغلفة المغبرة بالأتربة.. دلالة على فقر الحال.. يمكن أن تساوم .
خالص تحياتي للكاتب القدير الأستاذ \ حسن على البطران
والله ولى التوفيق

