في زمن تحاصرنا فيها الكآبة وتسدل بظلالها على كل فرح…رن هاتفي راقصا باسم “دار العجزة” اختلط لدي مزيج من الفرح والحزن معا…لاشك أن جارنا أبا محمد يريد ان يفضي مالديه من صمت كشلال دموع….في طريقي إليه كنت أحاول النظر في الوجوه العابرة…وأتساءل أيا منها سيقضي مصير أبي محمد ويتجرع خذلان الأبوة يوما…حين أطل عليي بكمامته الزرقاء بدت عيناه ضاحكتين…لم أصافحه بيدي…صافحته بروحي..جلسنا معا…وتركت له مجال الحديث الشيق” ايه ياندى شايفة هالكورونا” كان يتنهد بسعادة…أحستت بشعوره بالمساواة ربما لاول مرة في تاريخ حياته…فالجميع ملتزم منازلهم مثله تماما…حدثني بثقافته الجميلة عن كتب قرأها كانت تحمل بين سطورها حديثا عن الذي نراه…كانت مسافة المتر التي تفصلنا…مسافة حياة بأكملها وعمر ضاع على مذبح من الطعنات…سألني عن ” نايا” حفيدته الوحيدة…وكنت ألحظ في عينيه دمعا بنكهة الحنظل…تبسمت له بعينيي محاولة ان أبث له طمانينة عنها….قال لي العجوز أبو محمد…بالامس لم أنم كنت أراقب شهوب السماء من نافذتي الصغيرة….كانت تسبقني عاطفتي بالدعاء لمحمد…العاطفة يا بنيتي لا ترى نزيف الواقع…هي تتحدث لمن يسكنون قلوبنا…واستطرد في الحديث قائلا لقد دعوت الله ان يبصر عيون شباب هذه الأيام….فكيف يغفلون عنك حتى اللحظة…أضحكني برغم حزني…انتهى وقت الزيارة سريعا كطرفة عين…في وداعي له…كنت أرى في امتداد عينيه ترحيبا بموت قادم مختبئ في مكان ما من جسده…ناداني بلهفة لاتنسي تديري بالك من الزلزال عمو ندى…واومأت له بدمع اختنق في قلبي….كل ذلك تذكرته وانا أرى أبا محمد معلقا على حائط حارتنا ورقة نعوة مهملة..
- قهر
- التعليقات

