مرت أسابيع وهي تخلط قهوة فطوره، التي يحبها حد الإدمان، بحليب الحمارة، بينما استمرت هي في تناول القهوة سوداء كما تفضلها. ولم يظهر عليه أي أثر سلبي، يؤكد أن مفعول حليب الحمارة، في جسده وتصرفاته، يختلف عن مفعول حليب البقرة! بل صار يبدو لها، في الآونة الأخيرة، أن تأثيره عليه أحسن، إذ ازداد سمنة ونضارة كما صار يبدو أصغر من سنه، حتى كادت تمحي التجاعيد من وجهه الذي كان شبه محروق! لهذا أصبحت تخشى أن تأخذه امراءة أخرى منها، أو يُدخِل عليها ضرة تحشرها في الزاوية، وتحولها إلى خادمة لها وللزوج والأبقار، رغم أنه لم يصدر عنه مايشي بكونه يضمر ذلك، لكنها، ومع هذا، كانت تدقق في عينيه تستقرئ بين سطور نظرتيهما مايؤكد مخاوفها، وتقف طويلا عند بريقهما، لتقيس درجة سطوعه كل يوم. لأنها تعرف أن لاثقة في الرجال، كما أن الشرع منحهم أربعا، وهي ضلع ناقص مسكين لاحول له أمام ذلك..سوى أن تبذل أقصى طاقتها في إرضائه، هو وأبقاره وحمارتيه والأولاد، لكن الجهد الجهيد كان يصير إجهادا يخطفها باكرا إلى النوم، الأمر الذي بدأ يثير غضبه ويجعل غريزته تستعر أكثر! لهذا حاولت إرضاءه نهارا وليلا، لكنها لم تفلح كثيرا، وأيقنت أن حليب الحمارة سيكون لعنة عليها، لو استمرت في خلطه له بقهوة الفطور! صحيح، هي لم تتقصد الأمر بالمرة، وكل ماحدث أنها، في ذاك الصباح، نهضت، كالعادة، على وقع دبيب أولى الحركات في تجمع الدجاج، إستعدادا للنزول من مخابئه بين أغصان الزيتون، مع بروز خيوط الأمان الأولى في ضوء الصباح الباكر، واتجهتْ لحلب البقرة، بعد أن أشعلت النار ووضعت فوقها غلاية لتسخين ماء القهوة. لكنها كانت قد نسيت وضع الكمامة، المنسوجة من نبات الدوم، على فم العجل، فوجدت الضرع مرضوعا أثناء الليل، ولاحليب ثمة لإعداد قهوة الفطور.. ولأنها كانت لاتشك في أنه لن يسامحها، بل سيقلب صباحها مساءا، ويمرغها بين أقذع النعوت، هذا إن لم يصفعها على خديها الخاسفين، وقفت خائفة حائرة لاتدري ماذا تفعل، بعد أن أفرغت على العجل الذي لايشبع بضع ضربات.. ثم تذكرت الحمارة التي في ضرعها حليب أيضا، لم يرضعه الجحش المفصول عنها أثناء الليل، كي لاينهكها ويدعها تستريح في إنتظار نهار آخر للحرث! لم تتجرأ في البداية، لكن خوفها من قسوته وعدم تسامحه معها، خصوصا في أمر القهوة والحليب، جعلها تُقْدِم، إنتقاما منه، على حلب الحمارة، وإعداد قهوة به، رغم توجسها من إمكانية أن يكون طعمها مختلفا عنه بحليب البقرة، لهذا كانت أول من تذوقها، وبعد أن اطمأنت، جهزت الطاولة، وأيقظته! وهكذا صارت تفعل إنتقاما لعدم تسامحه معها، وعدم شعوره بما تكابده في مصارعة البقرة والعجل لأجل حلبها، بينما هو يغط في نوم مريح إلى أن يجهز الفطور! ثم خطر لها بعد ذلك، أنه يمكن أن يكون لمفعول حليب الحمارة ما لمفعول لسان الحمار، في السحر المُستهدِف السيطرة على الرجال! فكم سمعت عن حكايات رجال قساة أُطْعِموا لسان الحمير، وصاروا مثلها (أرىّ، أرىّ..أشىّ، أشىّ)، ولهذا يمكن لحليب الحمارة أن يؤدي إلى نفس النتيجة، أو على الأقل يصير جحشا..والذي يصير جحشا لابد أن ينتهي حمارا! لكن هذا لم يحدث. إذ بعد ترقب وانتظار، أيقنت أن الأثر معاكس، حيث أضحى أكثر سمنة ونضارة وعدم تسامح! فقررت العودة إلى حليب البقرة من جديد، لكنه، وبعد تذوق أول رشفة من القهوة المخلوطة به، صاح في وجهها بغضب عارم:
(هاذ القهوة طيبتيها، هاذ الصباح، برجليك ولابيديك!؟)
وقلب عليها الطاولة، بينما تجمدت هي في مكانها، دون أن تستطيع إخباره بالحقيقة!!