تناثرتْ حبّاتُ عِقد الفَرح ذات مساء..
ضجّت نداءات الرّحيل فيّ..
تأبّطتُ جرابَ ذكراها ويمّمتُ وجهي عمقَ بيداء الغياب.
الدّروب أمامي تتداخل، تتشابك، تتعانق، تتنافر، ولا بوصلة أصطحب، والنّجم في خِدره يأبى إليّ إيماءً..
تتلاطم أجنحة الرّيح شمألا وجنوبا. تتعثّر خطاي بخطاي..
سياط وجل تجلد نبضي، ترجوه إلى الدّار أوبة.. أسمعه فيّ يعوي:
“ليلايَ أغمدت في صدر العمر سيفَ الوجع، على وجنة الحلم طبعتْ ندبةَ تيهِ خافقي، وفي بيدر أهازيجنا راكمت عاصفة نَواها أكوامَ حساكة دُجى لا فجر يذبّه عن وجه الضّياء..”
من خلفي تناهى إليّ صوت أمّي:” اقتطعتُكَ من العمر نايا يصدح بتراتيل السّماء، يسكن همس السّواقي، يجتزّ عِهْنَ الألم، به ينتسج حبالَ تَوق تعانقه، من وهاد العتمة يصّعّد صرح الضّياء..”
أَبَيْتُ التفاتا..
ظللتُ أسمع صوتَ خطاها تقفوني وهي تردّد ذاتَ الكلمات..
رميُتها بشُهُب وجع فَقْد يتقلّب نبضي في أتونه، صائحا:” أنا ناي بتّ بلفح هاجرة النّوى مشروخا، وتراتيلي نشاز يوقّعه سحيق الدِّنى.. ناي بلا صدى لأهازيجي، أنا، في عوده أجدب العمر، حطبا بات لمجامر الخطو وقودا.. أنّى تضيء مرامد النّبض دروب الخطى..؟”
تناثرتْ شُهُبي المحمومة تحت قدميها تلتمس لي عندها عذرا.
سمعتها تتمتم:” سأنثركِ منارات لسُفُن الأرواح الضّاربة في عُباب السّؤال ترحالا..”
وتوقّف صدى خطاها..
الرّيح تزداد جنونا.
ضباب من رمل البيداء يمحو رسمَ خطى عابرين كنت أقفوها، يرجمني بجمر الرّمل، ينسدل جفناي حنوّا على ليلاي في عيني ترتسم ذكراها والخطى تزداد تعثّرا بالخطى..
فجأة تسمّرتُ..
خطاي تنسحب إلى جوف الأديم..
التفتّ فزِعاً أبحث عن أمّي.. رأيتها على تلّ قريب تذبّ عن وجه الشّمس بُوم الدّجى، صحتُ:” تأسرني الأرض أمّاه…”
كعاشق مفتون بوصال الحبيبة أسندت رأسها إلى صدرالأفق، تأمّلت موج الفزَع المتلاطم فيّ بنظرات مبهمة ويداها مضمومتان إلى صدرها، ثمّ من محراب صمتها ردّدت:
“إنّك هالك.. ومن تيه نبضك ذا منالُك ..”
مادت الأرض تحتي..
بتّ في الرّمل أغرق.
ناديتُ: “رُحماك أمّاه..”
التهب وجهي بعبرات حارقة. مددتُ يدي أتمسّك بأذيال ثوبها.
ما انتشلتني..
الرّمال تغمرني.
المدّ يرتفع إلى صدري.. أختنق حبّة حبّة.
تشبّثت يدي بيدي المتعلّقة بأذيال الثّوب. عجّ سمعي بترنيمة جدّتي ” تتأرجح حِبالُك في البئرذائبة.. تبيتُ عظامك في القعر غائبة”.
لوهلة خلتُني بها أترنّم.
فتحت فمي أرفع صوتي.
بات أبكمَ.. شرقت بالرّمل ومرفقاي ينغرسان فيه كقاع نخلة مبتورة ذات اختمار صَحْب بنبيذها..
وأمّي بعين غريب ترقبني متسمّرةٌ كصنم..
فجأة تذكّرت..
كان المساء صيفيّا. بعض نسيم عليل يلعق وجه الرّمضاء. تقافزنا نتوق إلى هرولة إلى غدير قريب، نتلظّى لهفة لارتماءة فيه تُخمد لظى أجسادنا.. صاحت أمّي:
” الدَّهْسَةَ الدَّهْسَةَ..”
تسمّرنا حيثُ نحنُ كأنّنا نلعب “صنما”.
بدا لنا أنّها صمتت طويلا وهي تتأمّل وجوهنا كأنّها ترانا للمرّة الأولى..
ردّدت وعيناها تغوصان في الغدير القريب: ” في الغدير دَهْسَة تبتلع والِجيه.. حذار..”
تخيّلتُ غولا يسكنه، يفتح فمه الكبير للغاطسين..
تسرّبت إلى أنفي رائحة جوفه الكريهة وأنا أتخيّله يرمي بي فيه..
صحتُ: ” رائحة النّهر نتنة لأنّ الدّهسة تتغوّط فيه، أمّاه..؟”
أغرقوا في الضّحك.
كانوا يكبرونني كلّهم. شاركتهم الضّحك. صمتت أمّي.
“ليتني ظللتُ طفلا بهمسات الأمّ يرتق مِزق خطاه فيُمسي للدّرب ملكا..” همستُ.
يشرنقني جوف البيداء أكثر.. أشرق بنشيجي:
“انتشليني أمّاه إنّي أتغرغر وَأْدًا..”
فرّت منّي توسّلاتي كأنّها رقصات ديك ذبيح، والصّمت حولي ينسكب عليّ دنانَ رصاص..
رفعت بصري.
لا شيء في يدي غير مزق من أذيال ثوب أمّي، ويدي تشدّ على يدي، وكثيب رمل بات يطمرني، يئدني إلّا رأسي المثقلَ بنواحات خواء ينضح بها خافقي.
تعلّقت أهداب الشّمس بنظرات أمّي..
انتسجت لها منها جدائل..
عشقتُ في مَوئدي آن النّوى..
سكنني إليّ حنين..
همست خطاي الأسيرة:
“من رحم الوجع نعتصر للغد عطر المُنى”
تحرّكت في قيدها خطاي..
رأيتُ أمّي تدحر شتات العاصفة عن بوّابة الأفق.. وإليّ ألقت الشّمسُ جديلةَ ضياء..