ارتقى رفوف المكتبة الحائطية و أخذ مكانه بهدوء واستسلم لنوم عميق ، هو يعلم جيّدا أنّه لن يُفتح و لن يتفقده صاحبه إلا بعد أمد طويل إن قدّر الله له ذلك…تلحّف بالغبار و انعزل في زاوية المكتبة التي تملأ الغرفة ، كان أحيانا يستمع إلى إطراءات الضيوف بألم ، هم يتعجبون من كثرة الكتب في المكتبة الفاخرة في قاعة الجلوس و يتعجّبُ بدوره من عقول صارت ترى الحقيقة من وراء حجاب أسود ، لقد أضحت العيون صاحبة القرار فوُئدَ الوعي و أصبح التفاخر بمجرد وجود الكتب أمرا يجلب السعادة لصاحبها و يدفن آلاف الأفكار العذراء في مثل تلك العقول الجوفاء.
يتعمّد الكتاب السقوط لعل صاحبه يفتحه فينال الخلاص و لو لدقائق ، هو يشتاق كثيرا لعينين تتأملانه و لسان يفكّ رموز الحروف بلين و تعمق . سعادةٌ تغمر الكتاب وصاحبه يهُمّ بفتحه أخيرا ، لقد نسي تماما أحزانه لمّا قرّر صاحبه مداعبة حروفه رغم الهجر الذي كاد يودي بحياته وهو مُلقى هناك في زاوية المقبرة ، لكنّه لم يفز إلاّ بضربات قوية على جنباته لإزالة الغبار عنه ثم إعادته إلى ركنه المُعتاد…يئن الكتاب و يكتم وجعا في زمن هجره الكثيرون و صار تُحفة تُزين الغرف لا أكثر و منسيّا من عقول ظنّها موطنه.