كورونا…وأزهار الشّر (شارل بودلير)
عاش العالم طيلة عشرات العقود ينعم بالأحلام اللّذيذة التي نسجتها قوى الشّر باسم الحضارة وباسم الإنسانية وبمناسبات مختلفة، حتى كاد الإنسان البريء يصدّق بوجود مخلّص البشريّة من ألمها ومعاناتها، انتهت الحربان العالميتان وقد خرج منهما العالم منهكا نفسيا وذهنيا واقتصاديا وقد طال الدّمار كلّ البنيات، وراح يفكّر أوصياء العاالم في رسم استراتيجية جديدة للتعايش بسلام، غير أنّها كانت مدسوسة، إذ لم تتوقف مخابر القتل العمدي ومصانع الدّمار الشّامل عن فكرة “التوسّع” المغلّفة بالليبيرالية والرّأسماليّة المتوحّشة والتكنولوجيا السّامقة، التي أكّدتها بؤر الفتن والاقتتال، لتختبر فيها آخر ما أبدعت من آليات الحرب جوا وبرّا وبحرا، أصبح يشاهدها الإنسان في حياته اليومية في أبشع صورها، في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. كتب الشّاعر الفرنسي (شارل بودلير) قصائد عن الكآبة والانتحار والسخط وكثير من التّجارب الفاشلة فردية وجماعيّة، ووظّف بجماليّة رائعة رمزية الظّواهر البشريّة المنتحرة، وتحدّث عن مختلف صبغيات الشّر التي يعتقد أنّها لصيقة بالإنسان وستظلّ في عمقه مادام الذي يسقى مشاعره من هذه أو تلك هو الإنسان الشرّير، معظم ما جاء في هذا الديوان يصف الشّر في عمقه (العدو، الشؤم، جيفة، الممسوس، الظلمات السّم، الشبح، أحزان الخريف، البوم، الميت الفرح، برميل الحقد، الجرس المصدوم، الكآبة عنوان مكرّر أربع مرّات، معذب نفسه، العميان، خمرة القاتل، الهدم، صلوات الشيطان، موت العشاق، موت الفقراء، موت الفنانين، غروب الشمس الرومنسي، غزلية حزينة، المنذر، شكوى ايكاروس) ويحقّ لـ”بودلير” أن يتنبّأ أكثر لمصير العاطفة والمشاعر الزّئفة وعقدة التّفوق التي توهّم بها الفرنسيون الجدد طيلة قرون، لأنّ فرنسا التي رفعت شعاراتها الكثيرة كانت واحدة من أبشبع ميكروبات الكون التي عاثت في بقع كثيرة وفي مختلف الأماكن ونقاط التّوتّر،
يقول “شارل بودلير”في إحدى قصائد “أزهار الشّر”:
– إلى القارئ
الحمق والضلال والإثم والشّح
تحتل نفوسنا وتجهد جسومنا
ونحن نغذي المتسوّل الطفيليات التي تتغذى من دمه
آثاما عنيدة وندمنا جبان
ونحن ندفع غاليا ثمن اعترافاتنا
ونخوض طريق الوحل مغتبطين
ونعتقد أننا بالدموع ندفع ثمن أخطائنا
وعلى وسادة الشّر يهدهد الشيطان روحنا المسحورة
ويجتث من نفوسنا معدن الإرادة النفيس
ويمسك بالخيوط من جهنم دون تقزز
عبر ظلمات نتنة.
إنّه الإفراط في حبّ الذات، وأكثر من هذا التلذّذ بعذاب الآخرين من ضعاف الكون وفقرائه ومنبوذيه، وهي قمّة التّشاؤم والانكسار النّفسي، فسعادة الكون لا يصنعها عبدة الشّيطان وإن بدت مظاهر السّعادة في وجوههم.
- كورونا…وأزهار الشّر
- التعليقات


