بين الجنون والعبقرية خيط أرفع من نسيج العنكبوت _ جبران خليل جبران
أتلمس جدار ذاكرتي، أجد نتوءاته امّحت تماما، فأصبح أملس، رخوا، مترهلا، عليه تنزلق أحداث زمني الهارب، ولا تعلق به ذرة من حكاية. أنسى كل شيء، نتوءٌ واحد بقي منحوتا، يستحيل أن يزول: كويدرة! شبح ضبابي يغازل ذاكرتي، يعبر متاهات نسياني، ورغم ذلك فهو مني قاب قوسين أو أدنى، أكاد ألمسه، إنه هو بلحمه وشحمه، أكاد أشمّ أنفاسه تفوح منها روائح الكحول الحارق.
مكور كالرمانة، قامة قصيرة، بطن منتفخة، ركبتان تصطكان، يلتصق بالأرض، فتخاله يتدحرج ولا يمشي كباقي الخلق. يعشق الهروب من نزيف جراح واقع جريح، يعانق اللصوص بالأحضان، ويركل الشرفاء على المؤخرات. أتذكره يوما يضع سبابته العريضة في عيوننا الصغيرة، ثم يقهقه ساخرا، وبشيطنته المعهودة يصرخ فينا:
– يا سلالة إبليس، وجوهكم متشققة صفراء، وجوه نحس ونكد، مغروزة فيها عيون وقحة لا تخجل، تلمع حقرة وتهميشا، استوطناكم من الرأس إلى الكاحل. كلكم ضعفاء، جبناء، لا تفيدون في شيء، ولا تستفيدون.
كويدرة مدمن على الكحول، كحوله خالص لا ينقص عن تسعين درجة، ولا يزيد عنها. يكره الخمر الأصفر والسيجارة الشقراء. الويسكي خمر اللصوص، فيه من دم الحرافيش ملوحة، فيه من جيوب المقهورين رائحة قهر تزكم الأنوف. تشربه بطون متخمة بعجين البسطاء، كحوله رخيص، لكنه يستمد منه قوة حصان مجنح جامح، يخلخل في دماغه سكون شياطين الحكمة، وعلى صواري رغوته البيضاء يرفع أشرعة مفتولة من جنون. يهدهد المجداف، فيبحر إلى جزر بعيدة لا بشر فيها، قرمزية النوارس، مخملية الشطآن. على صخور شواطئها تتكسر أمواج عاتية من خمر أحمر لذيذٍ، خال تماما من كل شوائب اللصوصية.
ضبط كويدرة في يوم من أيام العربدة، وهو يشرب الكحول الرخيص، ويدخن لفائف محشوة بالحشيش، ويهلوس في بحيرة باريس الصغيرة. كان المسكين في حالة تلبس. أحيل ملفه على قسم الأخلاق العامة، وقدم للمحاكمة في حالة اعتقال. تهمته رخيصة ملفقة: شرب كحول غير صالح للشرب. يسأله رئيس المحكمة:
– اسمك؟٠٠٠ سنك؟٠٠٠مهنتك؟
في حياء شيطاني، يلصق عينيه بالأرض، ويتجاهل سؤال الرئيس، يصرخ في وجهه بغضب شديد:
– يا رجل ألم تسمع سؤالي؟ أم أنك تتعمد عرقلة سير العدالة؟
يقهقه كويدرة بسخريته المعهودة:
– أتقصدني أنا يا سيدي؟
– ومن غيرك؟ فما أمامي إلاك والجدار!
– أنا يا سيدي؟ أنا لست رجلا، لو كنته بالفعل، لما وجدتني هنا أمامك، في هذه القاعة الكئيبة، يحاكم خمرك الأشقر ذو العكازة والطربوش خمري الأحمر الذي لا يساوي حبة بصل.
تعم فوضى الشماتة، تسري قهقهات السخرية في أرجاء القاعة رقم سبعة، يهدد الرئيس الحضور بتأجيل الجلسة، فيعم الصمت من جديد:
– أجب عن سؤال الرئيس يا رجل.
يسرط كويدرة ريقه، وتلمع عيناه الحمراوان:
– اسمي كويدرة يا سيدي، أنا نبتة برية ترعرعت في تربة فاسدة، يتبول عليها الحمير، ويدنس طهارتها زناة الليل وسراق الأحلام، ويمص ماءها خفافيش الظلام. نبتة اختنقت ورودها في أغشيتها ولم تتفتح. اسمي لم يحظ بالذبيحة كسائر الأسماء، أرضة المفسدين في الأرض ثقبت جيوب أبي، لم تترك له فلسا أحمر لشراء كبش عقيقتي. سني يا سيدي، أجهله تماما، فأمي لم تزغرد ترحيبا بمولدي، ضيفا ثقيلا حللت. كيف يمكنها أن تزغرد؟ لم تكن تملك جرعة حليب، ثدياها جافان، سلب منهما الجوع الماء والحليب والدم. عندما تعبث مخالبه بمصاريني ترضعني ماء، ولا شيء غير ماء ساخن. مهنتي؟ أنا لص يا سيدي، لا أسرق الميزانيات، أسرق دريهمات قليلة من جيوب أطفال صغار، أكري لهم دراجاتي بنصف درهم لكل ساعة، أمتعهم ويمتعونني. أليست هذه سرقة مشروعة يا سيدي؟ أليست أشرف من امتصاص دم الفقراء كالبعوض بالدجل السياسي؟
يتأفف القاضي، يضغط على صدغيه بقوة، ويعلن- على مضض- رفع الجلسة.
هذا الرجل أمره غريب، فيلسوف يحب الدعابة، نحترمه ونحبه، يقسو علينا حينا، ونقسو عليه أحيانا، كان منا، وكنا منه. لم يكن جشعا، من جيوبنا يكفيه ما يقتني به (قبوشة/ قنينة) من كحول لا لون له، رائحته تشق القلب، لكنه بجنون يفتح أبواب سعادته المجنونة، كحول يعلق طويلا بجدار المعدة، تسعون درجة قادرة على تشغيل محركات طائرة نفاثة. حمقه حكمة، وهذيانه نظرة عميقة في خبايا عالم عم فيه الفساد البلاد، وتمكن من العباد، وساد فيه العبث. يعشق التحليق خالصا، لكن بين الفينة والأخرى، تعكر صفوه دوريات رجال الشرطة، و(سين وجيم) كروش الحرام، كما كان يحلو له أن يسميهم. طفل يعري حماقات البشر من زيف طلائها، فينتشي بها موضوعا دسما لسخريته اللاذعة.
كل مساء، تلفظنا أبواب المدرسة، نعرج عليه، نجده منهمكا في إصلاح عيوب دراجاته الصغيرة. نستفزه بسؤال أو سؤالين، نعشق أن يسلقنا بلسانه الناري السليط، فنستمتع بدردشاته الفلسفية:
– كويدرة، يا حكيم عصرنا، كيف ترانا؟ من نحن؟
يمسح بنظراته الحادة كالصقر أجسادنا الصغيرة ويقهقه:
– هيهه… أنتم يا أولاد، زهور برية لم تتفتح بعد، تحترق في تنور القهر بلا دخان، سلاحف بلا قواقع، حلزون بلا صدفات، ستذبل نضارتكم– قريبا- حرارة صحراء بلا رمال. أراكم ككباركم، ضباعا تغفو طويلا، وعندما تستفيق تسرق صيد السباع، أنتم مشروع قمل مصاص، سيجفف من الماء والدماء عروق جياع هذا الوطن.
نضحك حتى نبكي، ويجامله أحدنا:
– ما أروعك يا كويدرة! تدخل الجمل في الأذن اليمنى، وتسله من اليسرى كشعرة من عجين، فأنت عاصفة بلا غبار، فيلسوف حكيم بلا فلسفة، ناسك بلا دير ولا صومعة، فارس فرسان بلا سيوف.
يتظاهر بعدم الاهتمام بمديحنا، ويسألنا:
– وكيف تروني أنتم يا شياطين؟ من أنا؟
– نراك واعظا لبيبا بلا جمهور، ملكا عظيما بلا مملكة، قائدا كبيرا بلا جيوش.
بابتسامة عريضة، يضع مفتاح البراغي، يحشو لفافته بالحشيش، يشعلها، يمص دخانها، يتلمظ نكهته، يلتصق جلد وجهه بأضراسه المسوسة، يعب جرعة كحول كبيرة، فيزود مركبه بقليل من الطاقة، ويقول:
– أخطأتم معرفتي يا أولاد، أنا قطعة قماش شفاف، تفضح عورة شهرزاد، وتشعل نار الحقد في نفس شهريار. أمسح غيوم الليل عن وجه القمر، أضيء عتمة نفوس الرعاديد أمثالكم، وأغزل من الألوان قوس قزح، أنا دون كيشوت عصري يا أولاد، أحلم بتغيير العالم، أحارب طواحين اللصوص، وأتصدى لرياح الفساد، مطيتي عجفاء جوعى، سيفي قديم صدئ، مقبضه بدون نصل. أتعرفون من يكون دون كيشوت يا سلالة الحرافيش؟
تتسع عيوننا، ونتبادل نظرات الاستغراب:
– كيف تعرف (دون كيشوت) يا رجل؟ ولم يسبق لك فك حرف، ولاتخرجت من مدارس؟ والله، هذيانك هذا رأس الحكمة وجوهرالحقيقة.
– يا جهلة، ما قيمة مدارس تفصل المعرفة على مقاسات خاصة، تراعي مصالح شخصية؟ أما زلتم تؤمنون بسعادة الإسكافي وشقاء الغني؟ هذه أفكار شبّعوكم بها خاطئة. المعرفة رغبة وقوة إرادة، وهي فطرية في الإنسان. لعمري، إن الحياة بحار معارف بلا شطآن، صحار بلا رمال، متاهات متعددة المداخل والمخارج.
نفتح أفواهنا إعجابا بكلام كله حكم، نفكر طويلا، نجد الرجل يزرع بذرة الشك في أنفسنا، بذرة قد نسقيها قطرة، قطرة، فتنمو وتكبر في أدمغتنا الصغيرة. ومنها ستتفرع سيول لا تعد ولا تحصى كشعيرات البرق في السماء، ستنتشر في أوصال مجتمعنا المقهور، ستتحدى الرصاص في وطن الرصاص. سنعيد ترتيب أوراقنا، سنشكّك في كل معرفة تفرض علينا، وتسهر على سلامة تطبيقها أبواق أعداء الحرية. سنشكك في كل ما تلتقطه راداراتنا من أفواه مدرسين مجبرين، لا مخيرين، ومن يدري؟ ربما نكون دون كيشوت المستقبل، نسعى- بدورنا- لتغيير معالم عالم وجب تغييره منذ زمن.
– كويدرة مات…كويدرة مات… كويدرة مات!
يسري هذا الخبر المشؤوم في دروب مدينتنا الهادئة، نتلقاه بذهول كبير، وكالخطاطيف نطوي المسافة، نقصد ورشته. كانت حشود المتطفلين كطيور البطريق على شاطئ صخري، تتجمع بالعشرات أمام محل الدراجات. الرجال يحوقلون، والنساء زرافات… زرافات… بألسنتهن الطويلة يلكن فضيحة المرحوم:
– كويدرة مات مخمورا، فتك بمصارينه الكحول الرخيص، كويدرة انتحر، انتحر، كويدرة لم يمت.
مستلق على قفاه، يعانق المسكين الفراغ، رغوة كزبد البحر تغطي وجهه، عيناه شاخصتان إلى السماء، وقنينات الكحول- بمختلف الأحجام- مبعثرة في كل زوايا الورشة. لم نكن نعرف شيئا مما وقع، كل ما سمعناه أن كويدرة أراد أن يبحر بعيدا، أن يداعب النوارس في جزره الخيالية البعيدة، فتكسر مركبه على خاصرة صخور أحلام وردية مصادرة. رحلة إبحار وهروب انتهت بمأساة. رجل مسن من جيرانه يجس نبضه، والدمع يلمع في عينيه:
– لا حول ولا قوة إلا بالله، لقد احترقت مصارين الرجل يا ناس، هذا كحول يستعمل فتيلا لإشعال النار، فما بالكم بجسد آدمي!
تنتهي رحلة كويدرة، وتستأنف بذرة الشك في نفوسنا رحلتها، فتنبت زهورا -لا تخلو من أشواك- في أدمغة شاخت قبل الأوان، وقفزت فوق العمر سنينا، أشواك وعي شقي مقموع، لكنه متمرد، يرفض واقعا جريحا، يستمد وجوده من جراحنا، من برودة الحيطان، من لعلعة الرصاص، ومن ظلمة الزنازين.




