ذَكَّرَت نَفْسِيُّ عِنْدَ صُعُودِيٍّ لِلْعَرَبَة، عَائِدا مِنْ عَرُوس البحر الْمُتَوَسِّط لِلْقَاهِرَة، أَنْ أُجْلِس بِمُقْعَد مُرِيح بِجِوَار شُبَّاك، أَشَمّ هَوَاءً نَقِيّا خُصُوصًا إِنَّنِي مُتَعَرِّق وَمُكَدِّر الْبَال، قَابَلنِي السَّائِق مُحْتَفَيًا بِي مُرْحِبَا، كَمَا يَحْتَفِي طِفْل بِلُعْبَة جَدِيدَة، قَائِلا وَكَأَنَّهُ يَتَوَدَّد لِي: اِجْلِس فِي هَذَا الْمَقْعَد يَا أُسْتَاذ لَوْ سَمُحَت، نَاظِرا لِسَيِّدَة تُجْلِس بِالْمُقْعَد الْمُجَاوِر؛ أُسْتَاذ طِيب جِبْتهُ يَقْعُد جَنْب حَضْرَتكَ يَا هَانِمٍ؛ أيتها خِدْمَةً. نَظَرَت لِي السَّيِّدَة بِتَمَعُّن وَكَأَنَّهَا تَشْتَرِي سِلْعَة قَدْ تَمّ دَفَع ثَمَنهَا مُقَدَّما قَائلة: فِعْلَا كُوَيِّسِ، تَمَام مِيه مِيه. وَعَيُونِي تَتَحَرَّك بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّائِق حَرَّكَت شِفَاهِيّ: أَنَا اِتَّبَعَت وَلَا إيهِ. اِبْتَسَمَت لِي، وَبِنَظَرَة جَاذِبَة لِاِنْتِبَاهِيٍّ – اِجْلِس، أَتُفَضِّل حَضْرَتكَ.
مُعَدَّلَة مِنْ وَضْع نَظَّارَتهَا عَلَى اِنْفهَا تَنَظُّر لِي نَظَرَة اعرفها جَيِّدَا واعاني مِنْهَا كَثِيرَا. حِينَ جَلَسَت شَعُرَت إنْي اِجْلِس فَوْقَ صَفِيح سَاخِن، اِلْهَب مُؤَخَّرَتي، قُمْت فَزَعا مُطْلَقا شَهْقَةً كُدْت اِبْتَلَع فِيهَا لِسَانِيُّ، مُلْقَيا بِحَقِيبَة يَدِيِّ بَيْنَ الْمَقَاعِد، مُحَاوِلَا الْفِرَار وَالْاِبْتِعَاد بِأَسْرَع مَا يَمّكُنَّ لِمَقْعَد آخِر قَالَت مُتَوَسِّلَة: أَرْجُوكَ اِجْلِس بِجِوَارِيٍّ، لَا تُذْهِب وَتَتَرَكَّنِي. وانا مِثْلُ طِفْل مُطِيعِ أَوْ حَمْل وَدِيع، لِبَيْت طَلَبهَا، جَلَسَت بِجِوَارهَا هَامِسا: تَأْتِي الرِّيَاح بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُن.
بَعْدَ أَنْ حَقَّقَت السَّيِّدَة رَغْبَتهَا، رَاحَت تَنَظُّر لِلشَّارِع مُبْتَسِمَة، وَالْعَبْد لله يَنْظُر لِقَفَاهَا بِحَنَق، عَيْنَاي تَتَنَقَّل بَيْنَ الْمَقَاعِد الْخَالِيَة وَلِسَان حَالِيّ يقول
– مِنْكَ لله يَا سَوَاق الْغَبِرَة هُوَ أَنَا نَاقِص.
بَدَأَت السَّيِّدَة تَلْطُف الْأَجْوَاء بَيْنَنَا بِاِبْتِسَامَة عَرِيضَة
– أَحُبّ أعْرَفكَ بِنَفْسِيٍّ، أَنَا “أَمِيمَة” حَضَرَتكَ مَيْنٌ. قَلَّت لَهَا وانا أَحَلّ رَابِطَة عُنْقي كَفَارِس نَبِيل يَقِف وَحِيدَا بِمُعْتَرَك: أَنَا “شَرِيف مُنِير” وَهِي تُقَهْقِه بِصَوْت عَال
– اِحْلِي مِنَ الشَّرَف مفيش، مُنَوَّر يَا أُسْتَاذ، سايب التَّمْثيل وُجِّي هُنَا تَعْمَل إيهِ؟ جِي عُشَّانِ، مَشّ كَدّهُ، طَيَّب إيهِ رَأْيكَ نَأْكَل لِقِمَّة مَعَ بَعْض أَنَا جعانة قُوِّيٌّ، مَعَايا ساندويتشات كَبِدهُ وَمُخّ، حتعجبك. مَدَّت لِي بِوَاحِد مِنْهَا. قَلَّت مُوَاجِهَا تَيَّارهَا العاتي وَثَرْثَرَتهَا: لَا أَحُبّ اِكْل اللُّحُوم الْمُسْتَوْرِدَة، وَلَا الْمُصَنِّعَة.
بِخَبَاثَةِ حَكت فَخْذهَا بِفَخْذِيِّ، ضَارِبَة كَتِفهَا بِكَتِفِيٍّ: وَلَا حَتَّى اللَّحْم الْأَبْيَض الْمُتَوَسِّط. اِبْتَعَدَت عَنْهَا مُتَحَرِّكا نَاحِيَة الْيَمِين، صَائِحا بِغَيْظ فِي السَّائِق: خَلَلِيُّ بَالكَ مِنْ مَطَبَّاتُ الطَّرِيق يَا هَنْدَسَة. مَازِحا
– وَقَعَت وَلَا لسه.
تُلْبِسنِي أَبُو مرَّة وَرَاعنِي مَا حَدَث، حَاوَلَت النُّطْق لَكِنَّ لِسَانِيَّ اِرْتَدَّ سَرِيعَا كَفَرْخ صَغِير أَفَزَعَتهُ مُفَارِقَة الْعُشّ، قَبْلَ اِكْتِمَال الرِّيش، رُحْت أَبِحَلْق فِيهَا فَقَطْ وَالْكَلَاَم يَمُوت عَلَى شِفَاهِيّ حِينَ سُمْعَتهَا تَقُول: جَثّ الْحَزِينَة تَفْرَح مَلِقَت لِهَاش مَطْرَح. اِكْتَمَل الْعَدَد الْمَطْلُوب وَتَحَرَّكَت الْعَرَبَة فِي طَرِيقهَا لِقَاهِرَة الْمُعَزّ شَعَّرَت بِعَيْنَهَا تُلَاحِقنِي أَيْنَمَا تَحَرَّكَت يَدَاي، لَوْ أَخْرَجَت كِتَابا تَنَظُّر لَهُ، لَوْ فَتَحْتَ اللَّابِ تَقُول: فَرَجّنِي عَلَى صُحْبَاتكَ بَدَأَت اُشْعُر بِالْمَلَل قَلَّت لِنَفْسِيٍّ لَا مَنَاص مِنَ الْمُوَاجَهَة. بِأَعْصَاب مُنْتَصِبَة سَألَتهَا هَلْ أَنْتَ مُتَزَوِّجَة؟
– لِلْأَسَف مُتَزَوِّجَة مِنْ سَبْعَة عَشَّر سَنَة، لَمْ أَرِي فِيهَا سَهْمهُ يَنْتَصِب، وَجَوَّدهُ مِثْلُ عَدَمه، زَوْجِيٌّ لَا يَسْتَجِيب لِصَرْخَات جَسَدي، اِنْه مِثْلُ تِلْميذ بَليد فِي مَادَّة اللَّذَّة الْجِنْسِيَّة أَوْ جُنْدِيّ ضَاع سِلَاَحهُ فِي الْحَرْب، اِسْما مُتَزَوِّجَة زَوْجِيٌّ لَيْسَ كَبَقِيَّة الرُّجَّال، اِنْه لَا يَسْتَجِيب لِحُضُورِيِّ الطاغي، يَمَرّ أُسْبُوع وَشَهْر وَالْغَسَّالَة تَمَلَّأ وَتُفْرِغ عَلَى قَلِيل مِنَ الزرقطة وَهَذَا عَلَى أَحْسَن تَقْدير. آثرت الصَّمْت وَأَلْقَيْت رَدِّيَّ عَلّي أَسَفَلَت الطَّرِيق قَلَّت فِي نَفْسِيُّ الْبِدَايَات وَالنِّهَايَات غَيْر مُوَفَّقَة حَظّ إيهِ الملطش دَهّ. لَكِنَّ عِنْدَكَ أَوْلَاَد يَا “أَمِيمَة” مَشّ كَدّهُ. تَدَاعَت اِنْفِعَالَاتهَا – عُنَّدِيٌّ
– يُبْقِي الزروطة عُلِي حَقّ.
اِضْطَرَبَت وَالْقَتّ بِنَظَرَاتهَا لِلشَّارِع، ثم رَاحَت تُضْحكَ بِصَوْت مَسْمُوع لِمُدَّة طَوِيلَة، نَاظِرَة لِي نَظَرَات تَشْفِي مَعَ اِلْتِوَاء بِجَانِب الْفَم حِينَ رَفْع السَّائِق صَوْت الْمِذْيَاع بِالْقُرْآن الْكَرِيم بَدَأَت بخفض ضَحَّكَتهَا
– بتَضْحَكِي لِيه؟
– أَنْتَ لَا لِيك فِي دكر وَلَا فِي أَنِّثِي
– كَيْفَ عُرْفَتي؟
– لَمْ أَشَمّ فِيكَ رَائِحَة اعرفها جِيدا فِي هَذَا الصِّنْف مِنَ الرُّجَّال.
- كَيْفَ عُرْفَتي
- التعليقات


