أخيرا مفاتيح الحديقة في يدي، صحيح أن ثمارها لا تغطي الثمن الذي اشتريت به، ولكن يكفي ما تضفيه من سمعة بين مالكي الحدائق، ولاسيما وقد كنت ابن الخمّاس القائم على شؤونها، وأدخلها اليوم بسيارتي الفخمة فاتحا.. يقلقني هذ الهدوء، فألتفت يمنة ويسرة، فلا أرى أحدا، حتى إذا كدت أفتح الباب، انكبت عليّ الكلاب مجتمعة، فلوحت بيدي متظاهرا برميها بالحجارة، فلم تتراجع، حتى تكلفت الانحاء واصطفاء حجارة كبيرة، فرميتها، فتأكدت من بقاء صحتي على عافيتها، فتراجعت مجتمعة، ليكون وفاؤها لمقولة في الاتحاد قوة في صالحي، فلو تفرقت حولي، لشتت قوتي. قبل أربعين سنة كانت أجدادها تلاحقني، فأرميها بالحجارة الصغيرة، وبالتمر أحيانا، وبما توفر في يدي، وأتذكر مرة أنني صعدت نخلة، فتراجعت، إلا واحدا صبر معي، حتى كادت قوتي أن تنهار، وما أنقذني إلا أخي الكبير الذي لا يخاف من شيء في الحياة، وقال:
ـ أتخاف من الكلاب يا كلب؟
ـ وماذا يكون أخو الكلب؟
فركلني ركلة ندمت فيها على حذاقتي..
دخلت حديقتي، فتناولت حبتي تين، وحفنة من التمر، واسترخيت، وبدأت الكلاب تتسلل من تحت السياج بهدوء، وبملامح مسالمة، فتركتها، ويدي على الحجارة، حتى اقتربت مني أكثر، وأحاطت بي، انتبهت أنني جالس بالقرب من طعامها، سايرتها في تعاقد الأمن مقابل الغذاء، تبا لبائع الحديقة الذي لم يخبرني عن هذه التفاصيل التافهة.
ظهر من بعيد كهل في مثل سني، اقترب، وقال:
ـ مازلت غبيا كما كنت..
ـ وهل تعرفني؟
ـ نعم .. أنت ابن الخماس، والمالك الجديد..
ـ إذا أكّدت على كلمة المالك الجديد، ينتفي غبائي..
ـ تترقب الكلاب من الباب، والسياج فيه ألف ثغرة؟
ـ لا علينا، هل أنت مالك في هذه الحدائق؟
ـ لا.. أنا مالك الكلاب، وأحضر لها الطعام كل عشية..
ـ جميل..
ـ قلت لك أنك مازلت غبيا..
ـ لم ؟
ـ أنا من كنت أغري الكلاب بملاحقتك عندما كنت صغيرا، وكنت أتلذذ بهروبك، وبمقاومتك المضحكة، وبتسلقك النخيل.. جبنك يدعو إلى السخرية !
ـ أنت واهم..
فجأة أمر الكلاب بمهاجمتي، فأخرجت بندقيتي، وسددت نحوه طلقة، فتفرقت الكلاب من صوت البارود، ومن منظر وجه سيدها الدامي، وبعد لحظات اجتمعت كلها بأعداد لا حصر لها، وأحاطت بالحديقة هائجة، فوجهت نحوها البندقية، فسمعت سيدها يقول:
ـ لن تتعلم .. ستموت غبيا..
تراجعت، فتزحلقت على طعامها، وماكادت تنهال عليّ، حتى رميتها بما تيسر في يدي، وهوطعامها، فانصرفت عني، تتعارك عليه.. فأكملت هذه اللعبة، يا لغبائي ! تطلب مني الأمر أربعين سنة حتى أكتشف عن طريق الصدفة لغة الكلاب..
- لغة
- التعليقات


