..صعُب علي أن أترك هذه البغلة تفلت من يدي، بعد أن أعجبتني وكذلك الزوجة والأولاد وكل من رٱها من الجيران، بحيث يمكن لأي كان سواء رجلا أو امراءة وحتى طفلا أن يُدخل الرسن بين فكيها ويضع البردعة على ظهرها دون أن يخشى منها شيئا، وهذا إضافة الى قوتها وصغر سنها. لكنها وأثناء تجريبها في الحرث، الذي كان موسمه على عتبة الباب، لن تكن كذلك، إذ بدتْ وكأنها لم تحرث يوما، ولم تعرف كيف تمضي مستقيمة مع الخط، وظلت تزوغ عنه تارة الى فوق وأخرى الى تحت ولاتتوقف حيث ينبغي أن تتوقف لتنقلب عائدة، كما لم تبد اي استجابة للكلمات التي كنت أصيح عليها بها، فما كان مني إلا أن فككت رباطها عن المحراث، بعد ان أقسم جاري، الذي كان يساعدني على تجريبها، وبأغلظ الإيمان، أنها لم تجر يوما محراثا ! كَم عز علي أن أعيدها الى صاحبها، لأني لن أجد أفضل منها، هي التي كانت ستكون سيدة بغلات الدوار، وتتوجني معها كسيد بين أسياد الدوار الذين يملكون بغلتين. لكن ماباليد حيلة، كما أنه لايمكنني تعليمها ألف باء الحرث، إذ كنت في حاجة الى بغلة ناضجة لأباشر الحرث الذي جعل السكك تتقلب استعدادا للغوص في التراب، وأنا ماكنت لأطيق التأخر عن الحارثين، بل أسعى لأكون في الطليعة. إضافة الى ذلك كنت أخشى، لو سعيت الى استبدالها بأخرى، أن أقع في شباك تجار البهائم، الذين يشبهون البهائم، فمن عاشر قوما أربعين يوما صار مثلهم، وهؤلاء يعاشرون البهائم على طول، فلابد أن يصيروا مثل بني بهيمة، وبني بهيمة قوم أيضا ! وكم من أقوام على هذه الأرض، بين من يقف على أربع، ومن يكتفي بإثنين، وكم من أقوام بين هؤلاء، المكتفين بإثنين، وكم من أصوات ولهجات ؟ فهناك حيث زوّجتُ إبنتي الكبرى، وهو المكان الذي اشتريت منه البغلة، قوم لاأفهم مايقولون بالمرة، حين يتكلمون بلهجتهم، كما لايفهمون لهجتي الخاصة، وماكنت لأعرف بوجودهم لولا علاقة الزواج، التي امتدت بفضل زمالة إبني في الجندية لشاب من هناك، هو الذي تزوج بنتي، التي حلت هناك، يوم زفافها كمن يحل ببلد غريب. لكن من حسن الحظ أن هناك لهجة وسطى، تمد جسور التواصل بين لهجات خاصة، هي التي قربت مابين إبني العسكري وزميله، حتى تزوج أخته، وكذلك هي التي سهلت علي التفاهم لأجل شراء تلك البغلة، كما سهلت علي إرجاعها لاسترداد مقابلها المالي، الأمر الذي قمت به غصبا عني، بعد أن أركبتها من جديد ظهرَ شاحنة صغيرة، وضعتنا قبل الغروب بقليل، أمام دار إبنتي..لكن المفاجأة كانت في الغد، لما قام صاحب البغلة بتجريبها أمام أعيننا، حيث حرثتْ كأي بغلة ناضجة، وأفضل، ولم تحد عن الخط أو نقطة العودة ودون أن تبدي أي جموح ومعاندة، فزال الشك تماما ! لكن السبب الذي جعلها تبدو كبغلة لاتعرف أبجديات الحرث لما جربتها بمساعدة جاري، ظل مجهولا..الى أن مرقت فكرة في خاطري، وانتبهتُ الى أن الرجل كان يخاطبها وهي تجر المحراث، بكلمات لاتشبه تلك التي خاطبتها بها أثناء تجريبي لها، وهي التي اعتدتُ عليها ولاأعرف غيرها. فبدا لي الامر محيرا : البغلة لاتعرف غير لهجة صاحبها، وأنا أجهل تلك اللهجة، كما أنها لايمكنها أن تتعلم لهجتي، فيم يمكنني تعلم مفردات المعجم الذي يستعمله صاحبها في مخاطبتها، لكن هذا يتطلب وقتا، والحرث مستعجل شد الحبال ! فتركت الرسن من يدي مهزوما، وقلت يائسا: للبغلة لهجتها أيضا.

رابط الإعلان عن المجموعة القصصية للبغلة لهجتها أيضا.