تبدو غارقة في هدوئها وجمالها يلفّها صمتُها الّذي يغري بالفضول تحطّ البلابل على أشجار رمانها، وفوق ثوابتها، تغني لصّمود والحزن ، وتارة توجّه نظراتها لممرات المدينة ، وأشياء المدينة لأنه قيل أنّ فيها أشباح تصطاد كلّ يوم فريسة ممّن يمارسون الغناء والتغريد والتّحليق والسياسة∙∙∙فلا مجال لِلحظاتِ الغفو فيها.
دمعت عينا أحد البلابِل لهولِ ما سمِع وضاقت نفسه ، وأحسّ بقرب أجلِه ، فأراد أن يغادر المدينة والمكان∙∙رَفّ صديقه “عارف” بجناحيه قائلا :
لا تحزن ، سنسافر معا ونبتعد عن مدينة الأشباح . فاستدركه زميلهُ : أنا أشتمّ رائحة الدّخان ، أنفاسي مثقلة وكأنّني أجتثها من الوحل ، أشراك الفجيعة تقترب منّا ، إنّها هناك ملتحفة بوجه الماء هيّا نغادر حالا فالكوكب الأزرق تعكر ماؤه ..ركب البلبلان ظمأهما وحلّقا عاليا تجاوزا أنتاف السّحاب واِحتجبا عن الأنظار باحثين عن الأمان والسّلام∙∙ وبعد مدّة ، نال مِنهما الظمأُ والجوع نصيبا ، فحطّا في جزيرة معزولة بعيدة عن الإنس والجنّ والأشباح .ولكنّها تنبضُ بالماء والحياة ∙∙
قال “عارف” لصديقه : هنا يمكننا أن نمارس حقّنا الشرعي في التّغريد والتّحليق والحريّة ∙
استأنسَ البلبلان بالمكان وببعضهما و ناما في عشّ جديد ، اِحتضنتهما غابة صامته ، وجزيرة معزولة ، وباركتهما السّماء .
وفي الصّباح ، عانق شروق جديد الجزيرة ، فاستيقظا في نشوة المنتصر على الموت .غرّدا طويلا حتّى ردّت أطراف الجزيرة صداهما ، ثمّ حلّقا عاليا اِستمتاعا واِستكشافا ، لا أرواح فيها إلا روحيهما وصوتَهما الّذي يملأ الأفق والشّعاب . نزل أحدهما إلى الشّاطئ بلّل ريشه ورجليه وغطس رأسه كأنّه يريد أن يغتسِل من ذنوب ليصلي صلاة النّاجي بنفسه من المروّعات ∙∙وبينما هو كذلك لمع ضوءٌ أحمر تحت الماء ثم اختفى ∙∙! شعر في الحال بقشعريرة أربكت حواسه وأيقظت ريشه.. فترك الماء والمكان والصّلاة∙∙ وهرع إلى صديقه مستفسرا . لكنّ عارف اِتّهمه بالتّوهّم والجنون قائلا :
ـ لا خلائق هنا، فلا تسئ الظّن وتمتّع بالحياة .
في المساء اِجتمعا في عشِّهما تلفُهما الأحلام والأمنيات ∙∙ يـنقُـرُ أحدهما الأخر في حميميّة و اِستئناس . وبينما هما كذلك إذ بشظيّة أصابت عشّهما وزلزلت هدوئهما فطارا على إثرها فزعاً هائمين في ربوع الجزيرة ∙∙
وبعد تفكير وتحليل حسب منطق الطّيور المسالمة توصّلا إلى نتيجة أن عاصفة قويّة هبّت حاملة معها شظايا صخريّة ، وأن الجزيرة هجرتها كلُّ المخلوقات بسبب كثرة عواصِفها وموجات البرد الّتي تجتاحها∙ واقتناعا بهذه النّتيجة عادا البلبلان إلى عشّهما يُضمِّدان أحلامَهما المتكسِّرة ويرتّبان أمانيهما المُبعثرة ” فما أجمل أن يتشبّث الكائن بالحياة رغم تقلّباتها” وبعد زوال حالة الفزع ذهب عارف في مَهمَة البحث عن الطّعام وبقي صديقه يُسوِّي العشّ المبعثر فشعر بالعطش .نزل إلى الغدير، شرب ثمّ رفع رأسه فرأى ورقة من جريدة ملقاة على الأرض . همّ بالطّيران لكنّ الصّورة شدّت اِنتباهَه واستوقفته ∙∙يا إلاهي إنّها صورتي وصديقي ! يا ترى ساقها القدر أم العاصفة!
تمالك نفسَه وريشه وقرأ الإعلان المكتوب في أعلى الصورة “أمير مدينة الأشباح يعـلن بداية البحث عن بـلبلان فرّا من مَدينته “تـسمّرت عيناه ووقف ريشه، وفقد الإحساسَ بذاته ولكنّه أدرك الخطرَ القادم∙∙ فزقزق زقزقةَ اِستنفارٍ قصوى طار على إثرها إلى صديقه ليخبره بالأمر. وما إن وصل حتّى واجهته حقيقة أخرى ورأى وجهًا آخر للحياة .. العشُّ فارغ وأثارُ الدّم على القشّ∙
تفجّرت عيناه ألمًا ودموعًا واِلتحفَ بألف خيبة ركبها وطار بما تبقى له من قوّة التّصدي لهذا العالم . باحثا عن الحياة في كوكبٍ آخر..” فما أجمل أن يتشبَّثَ الكائن بالحياة رغم تقلّباتِها ”
وهو يطير مغادرا كوكب الأرض ، اِرتسمت بين عينيه ألوان القُزح ولكنّه لم يكن يرى منها إلاّ المسافة بين حياته والرّحيل ، ولم يكُن يُميّز منها إلاّ لون الحياة الّذي يفتقدُهُ .وفي الوقت نفسه كانت كاميرا مجهول ترصُدُهُ حتّى غاب عن الأنظار، فلا ندري هل مازال يطوي المسافات أم طوَتهُ مسافةُ الِاغتراب ∙∙
- مدينة الأشباح
- التعليقات
