أمي أين أنت من هذا الوجود…………؟
أمي يا من أنشدتني أول بيت من قصيدة تتغنين بها ألا وهي قصيدة الحياة……..!
أمي يا من علمتني درسا أبديا من دروس الحنان والحب
أمي يا من حنانك يفيض في كل جوانح نفسي………!
أمي يا من بدلت وحشته أيامي بالأنس فأنت خير جليس خير من تفتح له صدرك وتعيش بكنفه ربيع الحياة……….!
آه أماه…………….! يتنهد محمد ويزفر زفرة من الأعماق فغصات القلب وأوجاعه وآلامه هي التي تتحدث وتبوح بأسرار لطالما احتفظ بها لنفسه…………..!
محمد الذي جاء إلى النور ليصدمه القدر صدمته العنيفة تلك الصدمة التي وارت أمانيه وانزوت فيها أفراحه، و جاءت عيناه بما تجود من دموع، واضمحلت ابتساماته……..
في جوانب نفسه الخرساء تنمو كآبته وتزداد تعاسته.
محمد يفتح عينيه على حقيقة أليمة حقيقية يعجز عقله الصغير على إدراكها ، تقبلها، الاستئناس بها……….
محمد يأتي إلى الوجود بأبوين مطلقين………..!
آه الطلاق! أبغض الحلال إلى الله سبحانه……….!
عاش محمد في كنف جدته من أمه هذه الأخيرة التي تبدو له وكأنها شجرة عريقة، شجرة مسنة ، راسخة الأعراق عاشت ربيع العمر وصيفه وشتاءه ووقفت أمام عواصف الدهر وأنوائه……..!
أحبها كما لم يحب أحدا في الوجود وهي بدورها تغمره حنانا وعطفا وتشعره أنه فلذة كبدها…!
لكن محمد أحس دائما بالمرارة، مرارة كالعلقم لا يستطيع بلعها ولا حتى إسقاطها من قاموس حياته، شعر في كل خطوات عمره أن شيئا ما في ذاته يبكي،نعم يبكي فهو الصبي الحالم البالغ العشرين من عمره يرى المستقبل قريبا بعيدا يحدق فيه ليكتشف ما يخبئ له من الغبطة والشفاء فإذا به يفجع بسكينة الدجى ويبهر بعيون السماء…!
تفوق محمد في دراسته وكان دائما أول الطلبة في دفعته ولا أدري ما السر في ذلك أهو التحدي…!؟
أم الإصرار على النجاح وتحقيق الذات… ؟
أم مغالبة الأقدار…!؟ هذه الأقدار التي عجز عن فهمها إنها أصوات تنبعث في أحشاء الليل وضجة هائلة من قلب النهار…! إنها إرادة السماء….!
ها هو محمد على مقاعد الجامعة يزيده الإصرار على النجاح وكأن شيئا ما في نفسه يدفعه لذلك وكيف لا وهو يرى أمه المسكينة تعاني ولا تريد الإفصاح عن معاناتها، معاناة زوج يرفض مجرد أن تلفظ كلمة أبنها على لسانها أو تشعره ببعض الحنان الذي فقده ويبحث عنه إنها أشبه بالعمياء حين تلتمس بيدها الجذران خوفا من السقوط أو المعرفة الاتجاه الذي تسير فيه…
إنها الأم ، الأم التي تذكر جنينا مات في أحشائها قبل أن يرى النور تذكره و تتحصر عليه فكيف بولد أنجبته وتركته يتخبط في متاهات الحياة!!!
إنه يشعر تمام الشعور بمعاناة أمه وماذا عساه يفعل… ؟
سوى أن يبتعد عنها، يرى وهو العاقل الرزين أن وجوده يزيدها في المتاعب وقد تتفاقم الأمور بينها وبين زوجها وقد يكون السبب في تعاستها مرة أخرى السبب في كسر جدران هذا البيت الذي سعت بكل طاقاتها من أجل المحافظة عليه، سعت من أجل أن تحمل اسم “رجل” فقد شربت العلقم من وسام”مطلقة”
يقرر محمد الهروب والابتعاد ويفتعل الأسباب مع أنها المسكينة تدري تماما أنه يحبها ويريدها إلى جانبه تقاسمه أحلامه وتشجعه على أمانيه وتقف بجانبه تمده بالحياة وتدفعه إلى التأق إلى بناء المستقبل الزاهر.
آه أماه ما عساني أقول… ؟
يتنهد محمد وتخرج أناته وآهاته محملة بالآلام والمتاعب فإذا نظر إلى أمه واجهته صورة زوجها ونظرات السخرية والاحتقار وإذا نظر إلى أبيه واجهته صورة زوجته ونظرات التعالي والكبرياء، فماذا يفعل… ؟
إنه يحاول أن يقف على رجليه دون الإساءة إلى أعز مخلوقين ليديه يحاول أن يكون حكيما ناضجا راضيا بقدره سائرا في تحقيق غاباته.
في لحظات خلوته يبكي محمد ودموعه تصنع أخاديد يملؤها العذاب عذاب اليتيم الذي ينفذ حكما جائرا قاسيا
اليتيم والأب والأم على قيد الحياة أي سخرية قدر هذه…!؟
آه إن كل معنى في الحياة، وكل سر من أسرار النفس ، لا يستطيع أن يفسر ما بداخل محمد يناجي أعز مخلوق له في الوجود كيف وسبحانه يوصينا بها ويجعل رضاها من رضاه وحبها من حبه…
يناجي محمد أمه قائلا:
أمي يا منبع الحنان الصافي
أمي يا رمز الخير الجاري
أمي يا صورة الكون الجميل
يا أروع رسم في خيالي
أنت ، أنت الهناء…!
أنت ، أنت الرجاء…!
أنت الأمل… أنت الوجود… أنت الحياة…
ابتسامتك حنان تدفعني لتحقيق ذاتي…
لو عشت أقبل يديك ورجليك ما وفيتك حقك…!.