للكاتب عبد الكريم الساعدي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

قرأت نص” ليلة أليمة ” أكثر من مرة علي ألملم خيوط ومعاني هذا النص الذي سأخضعه لنحت لغتي. وحاولت أن آخذ انطباعي الاول عليه،  هل يمكنه أن يكون أرضية صلبة للاشتغال عليه، فوجدته أكثر صلابة مما كنت أتوقع، فالإزميل في كثير من الأحيان ما ينكسر دون أن يحظى ولو بشظية واحدة من صلابة النص، عبد الكريم الساعدي ،قاص، ينتقي المادة الخام التي سيعزف عليها سمفونية إبداعه ببراعة متناهية، فهو في هذا النص  يشتغل على كتلة تجتمع فيها كل متناقضات الحياة، والسلوكات البشرية والتصرفات الإنسانية، في أقصى درجات التوثر، والصراع النفسي الداخلي، من هذه الكتلة الحجمية المتناقضة ينحت عبد الكريم الساعدي، أبطاله، ومن ثم يطلق العنان لصنع الكلام المحكي، في قالب انزياحي، كما سنرى من خلال قراءتنا لهذا النص الغني بالحمولات الدلالية.
☆ عنوان النص : ( ليلة أليمة )، ورد العنوان جملة إسمية ، محذوفة المبتدأ ، وخبرها موصوف بصيغة مبالغة ، ويتضح من خلال هذا النص أن جل أحداث القصة لن تتجاوز ، فترة زمنية محدودة ، فهي لا تتجاوز ليلة واحدة ، بمعنى أن أحداث النص لا تخضع لمعيار الاستمرارية ، لكن هذه الليلة تتسم بالألم ، وتتسم بالأمل ، ويشوبها الخوف ، وتتأرجح ما بين الفضيلة والرذيلة ما بين الاطمئنان الوهمي ، والخوف المفروض ، فالمتمعن في طيات هذا العنوان ، يجد أن القاص ،يوحي له ،بحدثه العام ، لكن التفصيل يترك لمخيلة كل قاريء وفق قدرته على تخيل الأحدات ،التي سيباشرها القاص. فيكون العنوان إذن ذا دلالة مهمة للإشارة ، نسبيا إلى ألحدث العام في النص·
☆محتويات النص : سألخص في هذه النقطة مجمل الأحدات التي كونت لحمة النص · في هذه القصة تنطلق الأحداث بدء من الهروب ، من القمع السلطوي المتربص بالشخصية الرئيسة من طرف ذئاب الليل، الذين يجوبون الشوارع والحقد والكراهية يعتصران قلوبهم السوداء ويعميان عيونهم· ووقوعه اضطراريا، في المحظور عندما لجأ إلى الماخور ولم يكن أمامه من خيار آخر، ربما لم ينس قانون (الضرورات تبيح المحظورات) ثم انصهر في بوثقة ، رواده، وانغماسه في عالم العهر الليلي منحشرا وسط ذلك الذباب الليلي المنتشر فوق موائد الفساد ،متناسيا الخوف الذي كان يقطع أوصاله قبل لحظات ،سيغوص في عالم العهر رغم أنه قاوم ميولات النفس لكن سحالي هذا المكان المتعفن تعرف من أين تؤكل الكتف ، فرمى لباس الطهر وراء ظهره وهو الذي كان يطمح إلى استئصال الفساد الذي يعم البلاد ويفتك بالعباد ومن أجل ذلك انبعث من تحت الرماد. لم يكن له من خيار آخر، فإما الانغماس في مائدة العهر الليلي أو الموت في الأزقة ، والشوارع التي يجوبها ذئاب الليل، ويحكم القتلة أيديهم عليها .
● و هذا يعني أن القاص لم يحد عن نحت نصه من الأحدات التي تجري في هذا المكان الضيق أي (الدار / الزقاق / الماخور ،،،) حيث تجري أحداث النص، إلا أن الماخور هو الذي سيستحود على معظم الكلام المحكي في النص . وهذا دليل على أن أحدات النص ، لا تخرج عن الواقع اليومي المعيش في البيئة التي أثمرت هذه الباكورة ، وإن كان ذلك ،مجانسا للواقع، على قدر (نسبة مائوية مهمة)، على اعتبار أن القاص، يعمد دائما إلى تلك السلوكات والتصرفات التي يكونها خليط من الأنواع البشرية على اختلاف مذاهبها وميولاتها ، في بيئة معينة حيث يختمر ذلك كله في ذاكرته ،ثم يخضعها لعملية اعتصار ، فتخرج إلى الوجود شخصيات أخرى لها طابعها الخاص ،ولها سلوكاتها الخاصة ، فتصبح من بنات أفكار القاص ، الذي يحيد كليا أو جزئيا عن الواقع الذي ظهرت فيه القصة ، وربما هذا هو الفرق بين الإبداع الإدبي والكتابة الصحفية أو المقالة التاريخية في التعامل مع نقل أحدات واقع معين ، وتحت ظروف معينة .
●فالقاص، يصبح أكثر تمسكا بخلق الفكرة الإبداعية ذات الطابع السياسي أو الاجتماعي أو الفلسفي، ويكون ذلك الخليط من الأحداث، والشخصيات، فقط الوسيلة أو القالب الذي تصاغ فيه هذه الأفكار، التي قد تؤسس لمباديء إنسانية عامة.
فالرؤية الأدبية الإبداعية تختلف جدريا عن الرؤية العلمية او الصحفية الموضوعية إذ تقوم على تحديد الظاهرة وفق القيم الاجتماعية، السائدة التي هي المقياس السوي الأوحد. تقوم الرؤية الأدبية على الذاتية الخالصة وعلى محاولة تفهم الدوافع والأسباب أو اللجوء إلى تجارب غير عادية يقصدبها اختراق حدود العقل المألوف وكسر قواعده ،وهذا ماسنلمسه في تحليلنا للنص على مستوى الانزياح وبلاغة الغموض والصورة السردية في إبداع عبد الكريم الساعدي “.
☆السرد: إن عملية السرد هي المحور الأساس في الفن السردي بصفة عامة سواء كان قصة أو رواية، وحتى في مجال الحكايات. لأنه هو الحبل الذي يقيد به الكاتب القاريء، ويجبره على متابعة الأحدات المحكية في النص، وإذا كان هذا الحبل ضعيفا، انقطع وضاعت القراءة على المتلقي وبالتالي يعلن الكاتب فشله الدريع في العملية برمتها ،من هنا نلاحظ أن القاص عبد الكريم الساعدي، على دراية كبيرة في هذا الباب، إذ يشد القاريء إلى متابعة أحداث النص ، ويجعله يركز حواسه وانتباهه، ويثير فيه شخصية افتراضية تقوده، وترسم له الجهة التي تكون القصة بصفة عامة ○ فأنطلق من تجربتي الخاصة في قراءة النص ، أتبع الشخصية الرئيسة من أول خروج لها وانبعاتها من تحت رماد الغضب ، كطائر العنقاء ، وذلك من أجل محاربة الفساد، إلى أن يسقط في مستنقع الرذيلة والانصهار في بوثقة ذباب العهر الليلي، وتتوالى الأحدات بإيقاع يكاد يكون سريعا، إلى أن يكتشف البطل أن الولاء الذي تم اكتشافه فيه هو في حد ذاته خيانة لزملائه الذين ألقي عليهم القبض، فتتقادفه، الحيرة وعذاب الضمير. فالسارد هو أكثر الشخوص إنتاجا للكلام، ووظيفة هذا السارد هو التحكم في التنظيم لعملية التلفظ وصيرورة الخطاب السردي ، فالملاحظ أن السارد في هذا النص ، هو الذي يستحود على دفة الكلام (السرد) ،فالبطل الرئيس كان عبارة عن (كركوز) في يد السارد الذي يحركه في خضم الأحداث بطريقته الخاصة ، وكأنه يناور مكانه ويتخذ القرارات مكانه ،لأنه كان على دراية تامة بعالمه الداخلي ، إلى درجة أنه يعرف حتى ما يجول في خاطره ، اتجاه الأوضاع والتناقضات التي يعيشها بصفة عامة .
● السارد إذن لا يترك حرية الحركة للشخصية الرئيسة ، في بعض النصوص .فنجد السارد ينسحب ليترك الحرية للبطل للحركة لتدبر أموره ، فيطل عليه من بعيد ويوجهه من حين ﻵخر .فهو السارد العارف الذي لا يندثر حضوره في القصة وإنما يستمر قويا عبر تدخلاته القوية ، والتي نلاحظ فيها أيضا أنه حتى اسناد الخطاب كان بشكل باهت .
●السارد لا يقف موقف الحياد من الأحداث ، وإنما نلاحظ تدخلاته بالوصف من حين ﻵخر ، والإنتقاد والتعبير عن المواقف ، معتمدا في ذلك على ضمير الغائب أي تغييب البطل ، ولم يستعمل ضمير المتكلم إلا نادرا ، أو كان استعماله باهتا،لكنه سرعان ما يطفو على السطح ويأخذ ضمير الغائب استراحة لكنها ستكون قصيرة ، سيتكلم البطل ، سيعبر عن رأيه ، سيحاول إتبات وجوده لكن في الوقت الذي كان فيه في حالة ورطة : الأولى تورطه في العهر ، والثانية : عجزه عن أداء الفاتورة ، وكلاهما موقف محرج، أو عندما يكتشف أن تبرئته لن تكون إلا خيانة ، وربما سترافقه طوال حياته .
●وأشير هنا إلى أني تعاملت مع الأبطال و الأحدات بشكل، غير مفصل، إنما على شكل ومضات، فالغوص مع عبد الكريم الساعدي ، يستوجب مكانا أوسع وأعمق من هذا التحليل، نظرا لباع القاص الطويل في مجال السرد. و هدفنا هو تهيئ أرضية تستفز قرائح النقاد لتناول، خصائص السرد في قصص الساعدي، على اعتبار أن عملية الإبداع ونجاح استمرارها متوقف على المصاحبة النقدية، للإنصاف أو على الأقل إبراز بعض مواطن القوة أو الضعف في النصوص قصد الاستفادة منها في مجال الكتابات القصصية .
☆ بلاغة الغموض: إن أي قاريء لإبداعات عبد الكريم الساعدي، سيقف على مجموعة من الحقائق فيما يتعلق باللغة السردية عند القاص، فهو لا يشتغل في كتاباته -وهذا النص نموذج – على اللغة العادية البسيطة التي غالبا ما نجدها عند الكثير من كتاب القصة القصيرة، قد نقول لكل كاتب لباسه الخاص وله أسلوبه الخاص، فهذا صحيح ولا يجادل فيه اثنان، لكن، تبقى البراعة والدقة في استعمال اللغة من مواطن القوة في كتابات القاص عبد الكريم الساعدي، فهو لا يستعمل اللغة إلا مبطنة بصور مجازية، وبلاغية ،رائعة تستفز ذاكرة القاريء ،ليوظف قدراته التخييلية والذهنية، لتحقيق فهم ما يقصده الكاتب بهذه الصور البلاغية، فعندما يقول: (منطلقا من تحت رماد الغضب) فحتما سيحيلنا إلى التفكير في مسألة التشابه بين البطل وطائر العنقاء المنبعث من تحت الرماد ،وتبقى العلاقة بطبيعة الحال بينهما هي (الانبعاث من تحت الرماد) فاستعمال هذه التعابير المجازية ليس بريئا  حتى يبحت فيه عن الدلالة السطحية، التي يراد منها توصيل المعلومة للقاريء، وقس على ذلك، عندما يكون بصدد وصف (الماخور)، وكيفية انصراف العاهرات (السحالي) وقدومهن من شقوق الرذيلة ، أو انتشار ذباب موائد العهر والفساد الليلي.
● أنا هنا أعطي أمثلة فقط، أما بالنسبة لتكثيف هذه الصور، فإنه لا يترك سطرا إلا ويتخلله بشكل واضح للعيان، وقد لا حظت هذا الإسراف في توظيف الصور البلاغية، تقريبا في جميع كتابات المبدع عبد الكريم الساعدي، فلا أقول: إنه يقسو على القاريء العادي، ولكن اعتبر أن هذه نقاط قوة في إبداع الساعدي لأنه يسمو بالمتلقي إلى أعلى درجات الجمال والذوق ، فهو لا يشتغل فقط على الأحداث وتوصيل المعلومات للقاريء وإنما يشتغل على خلق قصة رفيعة المستوى تعتمد على لغة غير مبتدلة ، و بسيطة حد السطحية ،فهي لا تجود بمعانيها للوهلة الأولى ، هناك من يعتبر الانزياح في السرد يضر بفهم القاريء وقد نوقش ذلك أكثر من مرة ، ولكن يجب أن نعلم ،بأن القاريء الباحث عن المتعة ، قد لاتهمه الفكرة بقدر ما يهمه جمال اللغة التي يتوسل بها لإيصال الفكرة .
● فالصورة السردية هي التي ترتبط بالسرد، وهي تصوير تخييلي لغوي وتشكيل فني وجمالي، إنساني يراعي مجموعة من السياقات المختلفة، مثل السياق البلاغي وما إلى ذلك، وهي استعارة قائمة على التماثل والتشابه بين الطرفين، كما يرى (أرسطو)، وقد أشرت في بعض المقالات النقدية، إلى أن تشكيل اللغة هو الفيصل في مجال الإبداع الأدبي سواء كان شعرا او نثرا، والمقصود هنا ، هو أن اللغة بصفة عامة تكون عبارة عن مجموعة من الوحدات اللغوية، المنتشرة بشكل عشوائي و أينما اتفق، أي أنها، تكون فضاء فوضويا، لا معنى له، لكن المتكلم هو الذي يتدخل فينتقي، هذه الوحدات ويرتبها ويسند بعضها إلى بعض، (النظم قديما) تم يخلص إلى أسلوب يناسب قدرته الكلامية، ويكون حسب خلفيته الثقافية، هذا يجعلنا نقر بجمال هذا الكلام، وبرداءة ذاك كما كان يرى النقاد القدماء، وتصدر الأحكام على الكلام وفق قدرة المتكلم على نظم الكلمات، وهنا أيضا يختلف الإبداع من شخص إلى آخر، فيكتب هذا بلغة بسيطة مباشرة وفي مخيلته توصيل الفكرة إلى القاريء فتتحول لغته الى لغة تواصل وليست لغة إبداعية، وهذا يضيع عليه التكثيف والإيحاء والترميز التي تعتبر من شروط السرد ،خصوصا في مجال القصة القصيرة، وهناك من يضرب عصفورين بحجر واحد ينحى منحى الانزياح، وبلاغة الغموض، فينال نصيبه من المقومات السردية التي سبق أن ناقشناها، وينال نصيبه من إعجاب القاريء واندهاشه بجمال اللغة، وبالتالي يسمو بفكره، فيحلق مع المبدع في عالم الجمال، والخيال،وعبد الكريم الساعدي من هذا النوع، وأنا لا أتكلم هنا من فراغ وانما قراء نصوص هذا القاص المتميز يعرفون ما أرمي إليه. فالصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صورا حسية بصرية فحسب بل تثير صورا لها صلة بكلل الإحساسات الممكنة التي يتكون منها نسيج الإدراك *