ترتعد من الخوف كريشة في مهب الريح، تغذُّ الخطى في قلق، كلما التفتت وجدته يجدُّ في أثرها، يدق قلبها بعنف؛ كعصفورة في قفص يحوم حولها قط شرس، ماذا يريد منها هذا المتشرد؟ هل كان ذنبُها أنْ عطفت عليه ورحمته فنقدته بعض المال؟ هل خدعها وقار شيبته، ورقة حاله؟ هل غرَّته شفقتها فطمع منها في المزيد؟ تنتزع قدميها من الأرض انتزاعًا، كأنهما قطعتا حديد مشدودتان إلى مغناطيس هائل، ليس هذا وقت البكاء يا صغيري، تضم الطفل إلى صدرها تحاول تهدئته، تسرع بدخول المول الكبير، تتنفس الصعداء رغم الزحام الخانق، لا شك أنها أفلحت الآن في تضليله، ولعله يئس من مطاردتها بعد أن فقد أثرها، تخرج من أحد الأبواب الخلفية، وعلى شفتيها بسمة انتصار واسعة، تكتم صرخة رعب هائلة حين تراه على البعد في انتظارها، تتسارع ضربات قلبيهما: هي من الخوف والرعب، وهو من السعي والجهد، يمد يده باتجاهها، هل سيطعنها؟ ترتد للخلف بسرعة، موشكة على الفرار، فجأة تتوقف وتستدير إليه في حنق، إلى متى ستواصل الفرار من مخاوفها كالفأر المذعور؟ ألم يحن وقت المواجهة بعد؟ ألم يكفها عشرون عامًا من الجُبن والسلبية؟ تفور الدماء في عروقها، تصرخ والشرر يتطاير من عينيها:
_ لماذا تلاحقني أيها الوغد؟ ماذا تريد مني؟
لم ينبس ببنت شفة، لا يزال يتنفس بصعوبة، تنظر في حنق إلى يده الممدودة، يتصبب العرق البارد من جبينها، والسلسلة الذهبية الثمينة تلمع في كفه:
_ لقد سقطت منكِ هذه يا سيدتي!