استغرب محمود و هو يرى سيارة الشرطة واقفة غير بعيد من بيته، يترجل منها شرطيان ثم يناديان باسمه!!!
نزل من شقته و اتجه صوبهما وهو يتساءل عما ارتكبه من جرم يجعل الشرطة تطلبه في النصف الثاني من الليل!
التحق بسيارة الشرطة ليجد جاره هناك…
جار محمود هذا رجل مزاجي و فريد من نوعه…لا يكلم أحدا…يدخن السجائر الرديئة بكثرة…ويعاني من اضطرابات نفسية ألزمته المكوث بمستشفى الأمراض النفسية قبل سنوات…
كان يوما حارا من أيام رمضان…سمعت زوجة محمود صراخا بالطابق الرابع حيث يسكن الجار ” العربي “…إنها زوجته تستغيث و تردد بأعلى صوتها: ” اعتقوا الروح ياعباد الله ” …
لم يهتم محمود بهذا الأمر، فقد اعتاد على صراع هذا الجار وزوجته منذ حل شهر رمضان، حتى أصبح الأمر عاديا لدى قاطني العمارة…
اشتد الصراخ،و تعالت أصوات النجدة من طرف الجارات اللواتي توجهن عند محمود طالبات تدخله…رفض في البداية، لكن أمام بكاء الأطفال المحتجزين بساحة الحرب…توكل على الله و قرر التدخل…كان الباب محكم الإغلاق…الصراخ يشتد…الأطفال يستغيثون و يبكون…الزوجة تتبادل الضرب مع زوجها و تستغيث…ثم سمع صوت أشياء تتكسر بالمطبخ…بل و دوي ارتطام طنجرة الضغط مع الحائط لتتوقف صفارتها عن الدوران…
بدأت الجارات تدقن على الباب بعنف، ثم شاركهم محمود في محاولة فتح الباب خاصة بعدما بدأت رائحة الغاز تتسلل للخارج…
فتح العربي الباب ليجد محمودا في المقدمة، فهجم عليه، ليشتبك الاثنان و يتبادلا اللكمات…
المهم تمكن محمود من التغلب عليه و إنقاذ الأطفال و الزوجة من اختناق وشيك…كانت الحريرة في كل مكان…بقع على الحائط وأخرى على الفراش…الحمص متناثر هنا و هناك…أواني مكسرة…أطفال متذمرون يبكون ويستنجدون بمحمود…
خرج الجار العربي و أخذ معه بنتين صغيرتين، و انصرف لوجهة مجهولة…وبعدها بدقائق نودي لصلاة المغرب ليعود كل و احد لشقته، بعدما قدمت الجارات الأربعة فطورا للجارة المنكوبة و أبنائها و ساعدنها في تنظيف البيت و إعادة ترتيبه…
لم يعد الجار العربي رغم حلول الظلام…بل و دخل الليل في نصفه الثاني دون أن يرجع…
حوالي الثانية صباحا فوجئ محمود بشرطيين يناديان عليه…ذهب معهما لسيارتهما ليجد جاره العربي هناك…
سأله أحدهم عن سبب اعتداءه على جاره العربي و طرده إياه من منزله صحبة بناته…فابتسم محمود و هو يجيب:
-يا سيدي أنا فقط تدخلت لفض نزاع هذا الرجل مع زوجته فإذا به يهجم علي كنسر كاسر، فدافعت عن نفسي…و لتتأكد من كلا مي اسأل زوجته و الجيران.
تمت المناداة على الزوجة لتؤكد كلام محمود…و هنا جره الشرطي بعيدا ليخبره أن دورية الشرطة كانت تقوم بجولة بالمدينة لتفاجأ برجل جالس صحبة بناته بمكان مظلم…ولما سألوه عن سر تواجده هناك، أكد لهم أن جاره اعتدى عليه و طرده من بيته…وهذا سبب قدومهم في هذا الوقت المتأخر من الليل، ليختم الشرطي كلامه بنصيحة على شكل ترهيب:
– في المرة القادمة إذا رأيت أحدا يقتل الآخر، فغير الطريق، وافعل كما لو أنك لم تر شيئا…فهذا ليس زمن الرجولة وفعل الخير…
طأطأ محمود رأسه وعاد لبيته حزينا…ليعم الصمت بالعمارة…
يوم غد و بالضبط قبل آذان المغرب بساعة علا صراخ من جديد ” اعتقوا الروح يا عباد الله…”
قام محمود من مجلسه وهم بالخروج لكنه سرعان ما توقف وهو يتذكر نصيحة الشرطي و غضبه…