لحظة انتظرتها وحلمت بها مدة عشرين شوقا ً من الغربة .. فكرت كثيرا في كيفية عيشي تلك اللحظة .. فقدت الأمل ببلوغها عدة مرات .. نغص علي استمتاعي بها تفرسي في وجوه أهل القرية , محاولا ً الإجابة على سؤال تقليدي :
_ هل عرفتني ؟
اعتصار عقيم للذاكرة في التعرف على الكثيرين منهم .. الملامح تتغير كما تتغير التضاريس .. لكنني عرفته بسرعة عندما سلم علي .. رأت عينا ذاكرتي شعره المجعد وأذنيه الطويلتين , رغم استتارهما خلف العقال والكوفية .. يبدو أنه أصبح من وجوه القرية وكبرائها .. عرفته من النظرة الأولى ..
_ أهلا ً ستار؟
_ ها ؟
شباك خشبي مطلي بطلاء أزرق , حتى يمر حفل الزفاف بسلام .. في خاصرة حائط طيني برتبة قضبان غرفة تعذيب .. تطل من خلاله إلى الداخل مجموعة من الأجسام الطينية السبخة :
_ ستار افعلها .. ستار افعلها ..
داخل الغرفة أثاث بسيط , يتوسطه سرير بمثابة دكة غسل الموتى .. تستلقي عليه كتلة طينية بيضاء , تحاول بكل ما أوتيت من ضعف أن تكون مضيئة , وتفوت الفرصة على ستار الذي يحاول أن يفعلها بكل ما أوتي من ظلام ..
أبن عمها ستار لم يكن رأس حربة في فريق لكرة القدم , وكل شيء شرعي وقانوني .. أهلها وأهله المتحمسون ليسوا بمشجعين .. الجميع ليسوا بأعداء لها .. جريمتها الوحيدة أنها مدنفة ..
الوحيد الذي لم يكن حاضرا ً في العرس من سكان القرية خضر .. فضل أن يغطي رأسه بتراب الاستسلام للواقع الذي فرضته العادات والتقاليد كنعامة جبانة .. هرب إلى المرعى وصيحات استغاثة ورده تلاحقه , وهي تتلاشى بين أصوات المشجعين :
_ خضر .. خضر ..
_ إيه ستار .. إيه ستار ..
عندما رأيت صمت أهل القرية والمأذون الشرعي عما يجري , تصورت أن تحت السرير نملة , ترى وتسمع كل شيء .. سمعتها تأمر النمل بالدخول , كي لا يحطمنهم ستار أثناء محاولاته لفعلها .. تصعد إلى أعلى السرير دفاعا ً عن وردة .. تشد حيازيم نخوتها , لتعضه في مؤخرته السمراء الظاهرة للعيان .. وهو يعض طرف ثوبه بأسنانه ويحاول ..
يئست وردة من الاستنجاد بخضر الذي تنصل عن وعوده بعدم التخلي عنها , فراحت تستنجد بجلادها .. تخاطب رجولته , نخوته , عروبته .. كل ما يمكن أن يثير غيرة وأنفة اجبن الرجال :
_ ها ؟
يسقط طرف ثوبه المتعفن الذي يعضه بين أسنانه , في فمها .. تتقيأ كل ما هو جميل فيها .. يستمر بمحاولة ذبحها بسكينه العمياء اللدنة .. المشجعون يستمرون .. النملة الملثمة تحت السرير تستمر أيضا في تبيت النية على اغتيال ستار ..
رؤيتي ما تتمتع به المدنفات من حقوق في الغربة , كانت تعيد تفاصيل أحداث ليلة العرس تلك في ذاكرتي كفلم مصور .. صدى من صوت استغاثتها .. صيحات التشجيع عند الشباك .. لهاث أنفاس ستار المتواصلة .. أصوات وصور لم تفارق مخيلتي طيلة تلك السنين , التي أنستني وحشتها الكثير من التفاصيل ..
_ مسكينة يا وردة ..
تأخر ستار كثيرا عن موعد إجازته في إحدى المعارك , وسمع سكان القرية في المذياع أن وحدته العسكرية مشاركة في تلك المعركة .. من المشاركين فيها من عاد جريحا , ومنهم من أرسل رسالة ما عداه , فلم يتوفر أي خبر عن مصيره ..
كانوا في ذلك الوقت بمثابة عائلة واحدة , يفرحون معا ويحزنون معا .. صاروا في وجوم شديد يائسين من بقاءه على قيد الحياة .. ينتظرون وصول جثته بين لحظة وأخرى .. لم أكن حزينا عليه , ولا أدري هل كانت وردة حزينة ؟ نسيت ؟
_ عاد خضر من وحدته سالما ً..
يستقبله الجميع يبكون فقيدهم المنتظر , فيضطر للعودة في اليوم التالي بحثا عنه .. لا أدري هل كانت وردة تتمنى عودتهما سالمين ؟ أم أنها تنتظر عودة أحدهما ؟ الحبيب المتخلي عنها , أم الزوج المفروض عليها ؟ فهذه فرصة ذهبية للخلاص من ستار , تنعش آمالها السابقة وخضر .. كما أنها فرصة للخلاص من طيف الحبيب المتخلي عنها والذي تهشمت صورته في عينيها ليلة العرس المأتمية .. كان من الصعب استبيان مشاعرها الحقيقية أيام انتظار عودتهما ..
يعود ستار سالما ً بعد بضعة أيام .. لكن خضر لم يعد بعدها أبدا .. يتنفس الخلاص منه .. يتشفى به .. يهجر وردة ويذرها كالمعلقة .. يعتقد أن خضر ذهب بحثا عنه لسواد عينيها , وليس لأنه ابن عمه ..
_ مسكين يا خضر ..
بعد أن أنفض المهنئون بعودتي من الغربة , سألت عن أخبار ستار أسئلة تقليدية .. في الحقيقية كنت أستفهم عن أسئلة يمنعني الحياء اليوم من الاستفهام عنها .. أسئلة أخرى لطالما ألحت علي كثيرا في الغربة , كلما اجتررت ذاكرتي حنينا ً إلى الماضي ..
يبدوا أن المحيطين بي لم يفهموا ما أبحث عنه من أجوبة , ومن كلمات لا تقال .. فأجابوني على أسئلتي الظاهرة بأجوبة مثلها ..
_ بعد وفاة وردة , تزوج مرة ثانية ..
_ ( … )
_ أنجب الكثير من الأولاد ..
_ ( … )
لابد أن وردة تقضي الآن أوقات طيبة مع خضر في العالم الآخر .. يقومان بكل ما كانا يحلمان بالقيام به .. لكن هل يعوضهما ذلك عن الأوقات التي كانا يودان أن يقضيانها معا في هذا العالم ؟ لا يمكن التكهن بذلك , إلا بعد معرفة الأجوبة التي لا يمكن الحصول عليها ..
_ هل فعلت النملة فعلتها ؟
_ هل فعلها ستار؟.
- مُدنفة
- التعليقات


