كنت منتشيا دون أن يشوبني الاختلاط. يؤلمني جسمي وأنا ممد على العشب عند حافة الشط .انتبهت على صوت قربي .ظلت عيناي تحملقان عبر الغشاوة التي رانت عليهما .نفض التمثال نفسه فتطايرت قطع الجبس عن جسده الفارع . لبثت برهة لا أريم ورددت لا شعوريا بعض التعاويذ . أدرت وجهي وقد عرى جسده .كنت أرهف السمع بفضول ,فا ستغرقني الحدس والتخمين .خاض بمياه الشط الراكدة , ولا يفتأ يتلفت بشيء من الريبة الحذرة . كان بدافع احترامه للرسميات يحتفظ بمظهر لائق . دنا مني بخطى وئيدة وقد تخلص من رثاثة الجبس التي كان يبدو فيها أكثر زراية وتحقير .خامرني شعور بالهلع . المسافة بيننا تدنو ,ولم أعد قادرا على أي حركة تكفي لإسناد التدابير التي حصنت نفسي بها . حاولتُ مهادنة الإحساس بالفزع الذي ما أنفك يغتصب روحي .
قال بلهجة رسمية رزينة وهو يتطلع فيما حوله : طاب يومك يا ولدي .ما أسم هذه المدينة ؟
نبرة التفخيم التي أتسم بها حديث الرجل أبهرتني. شعرت بأن أعصابي لم تعد قادرة على الاحتمال .اجتاحتني هزة عصبية انقلبت إلى نوع من الحمى ,تسلطتُ بمشقة عليها ,واندفعتُ لأجيب بسرعة لأسترضيه : الحلة يا أستاذ
أردف بثقة : لم أُسمِ مدينة بهذا الاسم .
كان يتكلم بنوع من الحماس المقرون بالتعالي , كلمات تستعر بالكبرياء. تملكني شعوراً على مقاومة هلعي فانخرطتُ في علاقة متعالية معه . خنقت ضحكة كادت أن تفلت لأتجنب حرجي .
قلت بهوس مستعرضاً معرفتي : سماها صدقة بن مزيد الأسدي
قال وهو فريسة اضطراب متزايد : أين بابل؟
جذب الحديث اهتمامي فتهافتُ عليه .لقد غدا الأمر لي مثيراً .كنا في هذا العوز المتبادل نتشبث بأي شيء لإدامة التواصل .
تملكني شعور شرس بالاستهزاء فأجبت ببغضاء: تقصد أثار بابل
أسترسل وقد بدا على محياه ترفع مرموق :لا . مملكة بابل .
يتكلم بوقار مهذب , فصار من العسير التفكير بالنأي عن حضوره الطاغي
قال بلهجة أجتهد أن تكون ناعمة متوسلة :يبدو أني تهتُ .هلا أرشدتني يا بني ؟
اكتسحتني رعشة هزت كياني ,فرحت أتصرف باحتراس حتى لا أقع في شطط الإفراط بالمهادنة .
قلت دون أن أستطيع الإفلات من تبرمي : لا شيء هناك يدعو لزيارتها .
كان يصغي بانتباه شديد , و خشونة الإجابة تمرغه في وحل الاستغراب
قال : أنا مدعو لحفل زفاف .
كان كلامه يهيئ له نوع من اللذة التي لا طاقة لي على تذوقها ,وقد شعت عيناه ببريق متكبر .هذه الرزانة التي اكتنفت كلامه جعلته أكثر حصافة . التبس الأمر علي فلم أعد قادرا على مجادلته .أن شعورا مبهما غامضا غمرني ,وأكد لي بأن الرجل على جانب كبير من الأهمية ,ألزمني بسلوك لا يمت برابطة للنزق.
قلت : لم يعد الناس يذهبون إلى بابل في الإعراس .
_ لاشك أنك تستريب في حديثي :قال
لم تبيح لي نشوتي التي تسربت القدرة على الإذعان وبقيت متحصنا بإصرار أجوف على المعاندة .
بلطف طلب مني مرافقته كدليل . حاولت الاعتذار ,أصر ,فتهافت مستحيا .فاجأني متسائلا بذوق
_ماذا تفعل عند النهر ؟
أنا من مدينة الحلة /محافظة بابل جئت لأستريح من همومي فغلبتني الخمرة .
ارتسمت على محياه استهانة شوهت وجهه .أبتسم بمرارة كابتسامة رجل متسامح ,يشتم .
هل حولتم المملكة إلى محافظة: قال بصوت مختنق كأنه ينوح .
لقد استسلم لشعور مذل بالغبن .أطرق الرجل ونحن نسير في برودة الفجر نحو المدينة القديمة ,كما لو انه أصيب بخيبة أمل وهو يعاني من حدث ضخم في سلسلة من حلقات القدر المشؤوم التي عانى منها اسلافه .
قال وكأنه يئن : سأريك المسلة.
كدتُ أغص وأنا أكتم ضحكتي , و مشاعري تنأى بي عن الخديعة . لبثتُ متشبثا بإخلاصي فلم أشاء بزيادة لوعته فكتمتُ نزعتي في المصارحة كان إثناء سيرنا يتلفت مستغربا ويتمتم بكلام لم افهم منه شيئا .التفت نحوي متسائلا : أنكم لم تفعلوا شيئا لبابل .
كنت أتوقع السؤال فأعددت إجابة منحتني الراحة لأنها وفرت لي عذراً .
قلت : بسب الخلافات الداخلية كما حصل لديكم .
أبتسم الرجل بتواضع وهو يرمقني بنظرة حنون أشاعت في نفسي الثقة
بدأت الشمس تشرق فأشاع ضوؤها الألفة وقد أنهكنا السير في دروب ترابية اعتراها الإهمال .كان الرجل يتلفت كأنه يحاول إن يستهدي إلى معالم مدينته .وكالغريب ظل يلتصق بي ثم همس في أذني بصوت خجول ملتمسا موافقتي على دخول المدينة من بوابتها .كنت قد وطنت نفسي على تلبية رغباته …وتراءى لي الإله مردوخ بالمعبد في احتفالات رأس السنة البابلية .استقبلنا شارع ترابي مهمل . شارع الموكب.
قال الرجل مستغربا :أين بابل؟
كان يقلب النظر بالخرائب ممتعضا وقد شوه الذهول قسماته التي صارت صارمة واستغرق في التفكير .ترقرقت الدموع في عينيه ثم لم يلبث ان تماسك ليعتريه غضب جامح وقد تكدر وجهه بالأسى .استدار غاضبا وتركني ولما عدت وجدته يقف منتصبا على قاعدته دون ان يلتفت اليٍّ رغم اني بقيت احدق به طويلا .