منذ أن أحسست أن لي جسد يحتاج لجسد آخر ليستمر في التواجد ،ربما كنت في الخامسة عشرة حينها ، بدأت اتخيلني محتضنا ،وأحيانا مجالسا ، إناث بتسريحات شعر ذكورية على طريقة الجميلة ريهانا أو حتى على طريقة الجذابة سكارليت جوهانسون …
لاحقا أدركت أن مصدر إعجابي بهكذا تسريحات شعر هو إعجاب لا إدراكي بأستاذة مادة اللغة الإنجليزية التي درستني في بداية المرحلة الثانوية ،والتي كانت تقص شعرها على طريقة الذكور ..حتى أننا كنا نلقبها بـ” السيمو “..كنت أحبها بطريقة ما ،أحب اختلاف شكلها أأحب طريقة نطقها لحرف الراء ، أحب كونها الوحيدة التي كانت تناديني باسمي الشخصي بدل العائلي..(Abdesalam ,shut up and read the text )
و أنا أتسلم شهادة الباكلوريا أحسست بغربة شديدة ،حصولي على الباكلوريا كان يعني أني أفقدها وللأبد..وفعلا فقدتها للأبد..لذلك انطلقت رحلة بحثي عمن تشبهها .. بحثت طويلا إلى أن وجدتني أقابل نسرين ..قابلتها صدفة بسوق للكتب القديمة ،كنت لحظتها منشغلا باستطلاع عناوين الكتب المصفوف بعضها على الأرض ،والمرتب بعضها الآخر داخل خزانات خاصة ..كانت المساحة الفاصلة بين خزانة و اخرى تسمح برؤية ما بالخلف،لذلك و أنا ارفع رأسي لاستطلاع عناوين الكتب التي تتواجد بالصف العلوي من الخزانة والمخصص للكتب الأنجلوساكسونية التي اهتمت بالمغرب ،كان لتلك التسريحة الذكورية والملامح الأنثوية السلطة على سحبي من مكاني لألف مسرعا نحو الجانب الآخر من الخزانة ..
نظرت إلي بداية برعب ،لم تستوعب أني أقف أمامها على بعد مسافة الأمان و أنظر إليها و كأني أعرفها منذ زمن ،لذلك تراجعت للخلف خطوتين دون أن تبعد نظرها عني و دون أن تترك الكتاب الذي بين يديها ..
– ماذا هناك ؟ من أنت ؟
– وجدتك ..
تغيرت ملامح وجهها من الرعب إلى الدهشة..
– وجدتني ؟
– بحثت عنك لثلاث سنوات..
– تعرفني..؟
كنت أحدثها دون قدرة على إبعاد نظري عن شعرها ..
– أعرف أستاذتي ..
– أستاذتك ؟؟
– تشبهينها ..
– من أنت ؟
– أنا المساتي.. إن شئت ناديني عبدالسلام ..
– من المساتي ،ومن عبدالسلام ، وماذا تريد مني ؟
– أريدك أن تحبيني بنفس القدر الذي أحبك ..
كنت أتحدث بجدية مطلقة ..لم أبتسم حتى .
– هل أنت مجنون ؟
– أنا مجنون إن تركتك ترحلين ثانية ..
– ثانية ؟؟
– تجيدين الإنجليزية ؟
– أجل ،ولكن لماذا ؟
– هل لك أن تحدثيني بها ..؟
لم تجب ،فقط اكتفت بهز رأسها وكتفيها علامة على عدم استيعابها لما يحدث وللذي أقوله..لذلك كان يجب
أن أستدرك الأمر …
– آسف ،أعرف أني اقتحمتك ببلادة ولكن أرجوك هل لي بنصف ساعة من حياتك ؟
– نصف ساعة فضلا عن العشر دقائق التي أخذتها توا ، تصبح أربعون دقيقة من حياتي..من أنت لتستحق أربعين دقيقة من حياتي ؟
– أنا من قضيت ثلاث سنوات أبحث عنك.. أربعون دقيقة في مقابل ثلاث سنوات..
ابتسمتْ هذه المرة ، كانت تكفيني تلك الابتسامة لأفهم أنها تقبل دعوتي ..أعادت الكتاب لمكانه وقصدنا
مقهى صغيرة على الجانب الأيمن من السوق ..
– إذن من أنت أيها المساتي ؟
هكذا بادرت هي الحديث ،والمثير أنها تحدثت بالإنجليزية.. أحببت استجابتها السريعة..
– عبدالسلام أرجوك
– حسنا من أنت يا عبدالسلام ؟
– هل لي بسؤال قبل ذلك ؟
– تفضل
– ما حكاية تسريحة شعرك ؟
– إنك تضيع النصف ساعة في سؤال هامشي ..
– لا بأس سأقبل بضياعها ولكن أرجوك أحتاج أن اعرف ..
– غريب إصرارك ..على أي حال تسريحة شعري مجرد اختيار..ألا تروقك ؟
– إننا هنا بسببها ..
– ماذا تقصد ؟

حدثتها عن أستاذتي ،وعن هوسي بتسريحات الشعر المماثلة ..حدثتها أيضا عن نفسي و عن تفاصيل كثيرة من حياتي ، فعلت هي نفس الشيء و أخبرتني عن دراستها للأدب الفرنسي وعن رغبتها مغادرة المغرب في اتجاه فرنسا لانجاز أطروحتها هناك حول أعمال الكاتب الفرنسي ألكسندر دوما ..تحدثت بانسيابية لكن ذلك لم يمنعني من اكتشاف نبرة حزن عميقة أو تحسر على شيء ما ..
– سعيدة ؟
ترددت ثم قالت :
– سعيدة حسب تعريفي للسعادة
– وما تعريفك للسعادة ؟
– عائلة تحضنك لتوصلك بدفء نحو النهاية..
– النهاية ؟
– أقصد الغاية ..
استدراكها كان غير مقنعا..
– وما غايتك ؟
– لا أعرف.. دعك من غايتي ، قل لي أنت ما تعريفك للسعادة ؟
– ساعتين قضيتهما بجانبك
نظرت لساعتها في صدمة ، دفعت كرسيها للخلف وقامت مسرعة ..
– تبا لك يا عبدالسلام ،لقد تأخرت جدا ..وداعا..
– انتظري ، اسمك ؟ هل لي برقم هاتفك ؟
– أنا نسرين.. ستجدني غدا رفقة أصدقائي بمقهى فرجينيا ..الخامسة..

لم يكن لي أن أتأخر على مقهى فرجينيا ، ألغيت لقائي مع أصدقائي وصرت لألتقي بأصدقاء نسرين ،كنت ألتقي بأستاذتي ربما ، او بسكارليت جوهانسون أو ريهانا ..تخيلتها كل هؤلاء لكنها كانت نسرين فقط..
وجدتني أنصهر بسرعة وسط أصدقائها ،كانوا بروح مرحة كما هي ،كانوا يحبونها بطريقة مفرطة حتى ان أحاديثهم غالبا ما تكون هي محورها ..
– حبهم لك ضاعف ” حبي ” لك..
هذا ما افتتحت به حديثي معها بعدما غادر الجميع ..
– تحبني ؟ عبدالسلام ، أنت قابلتني بالأمس فقط
– صدقيني قابلتك قبل ثلاث سنوات ..
– صدقني أنت ، أنا لست أستاذتك ،لن أستطيع ملء فراغها..
– لقد فعلت ذلك و انتهى الأمر..
– أي جنون هذا الذي تقودنا إليه..
صرنا نلتقي كل يوم تقريبا ، أحيانا بالجامعة ،أحيانا بمقهى فرجينيا رفقة أصدقائها ، و احيانا وحيدين بمكان تختاره هي دائما..حتى عندما نفترق ليلا فإننا كنا نعوض ذلك بالدردشة عبر الواتساب ..صارت تعيش بداخلي.. وصارت تعيش بي ..هكذا كانت تقول دون أن أفهم ما تقصد..
مرت الأشهر الثلاثة مسرعة ، وحضر غشت ،كنت قد اعتدت أن أغادر مدينة فاس بهذا الشهر ،لست أستطيع قضاء السنة بكاملها بهذه المدينة المختنقة..
– أعدك ،ساحاول أن أعود قبل بداية سبتمبر..
– لا بأس عبدالسلام ،استمتع بوقتك…
– طبعا سأكلمك كل يوم..
– حقا ستفعل ؟
– سأفعل نسرين..سأفعل لأنك هنا بداخلي..
– عبدالسلام ،لا تنس أني أعيش بك..

عانقتها بشدة وغادرت.. كنت أكلمها بشكل يومي خلال العشر الأيام الأولى من غشت ،ثم فجأة أخبرتني أنها ستسافر لقرية هامشية نواحي تازة ولن تستطيع محادتثي بسبب غياب شبكة إرسال الهاتف هناك..إلا أن غيابها تجاوز العشرة أيام ..لم أفهم ما يحدث ، خفت أنها تخلت عني في بداية الطريقة ما جعلني أركب أول حافلة نحو فاس..توجهت مباشرة لمقهى فرجينيا ،وجدت أربعا من أصدقائها هناك ..قاموا جميعا يعانقونني دون ان يقولوا شيئا..
– ماذا يحدث ؟ ما بكم ؟
لم يتكلم أحد ،فوجدتني أرتعد ..
– أخبروني ماذا هناك ؟
– ماتت نسرين..
هذا ما نطقت به إحدى صديقاتها ،صرت أرتعد اكثر فاقتربت مني نفس صديقتها ،أمسكت بي و أردفت :
– لم تنجو من العملية
– عملية ؟ أية عملية ؟
تمتمت بهذا لكنها استطاعت أن تسمعني..
– ألم تخبرك بأمر مرضها ؟
– مرض ؟
– كانت تعاني من سرطان البنكرياس..
ألم تكن تسريحة شعرك مجرد اختيار يا نسرين ؟؟