مهداة الى روح الصديق ” أبو مصطفى ”
جمعتنا أمور وأشياء كثيرة ، جمعتنا الحارة ، والمدرسة ، وعام المولد ، وحتى الاسم ، فكلانا كان يحمل نفس الاسم ، وعلى النقيض، فهو أطول قامة ، وأضخم جثة ، نهما” للطعام ، ميال الى الهدوء وقلة الحركة .
كانت المرة الأولى التي نتخاصم فيها ، تحول الخصام الى عراك ، كنت طفلا” كثير الحركة، أساعد والدي في بعض أعماله ، مما أكسبني قوة عضلية ، انتهت الجولة سريعا” بسقوطه أرضا” ، ومثل كل الأطفال رجعنا الى اللعب سوية .
لا أعرف لماذا -بعد تلك الحادثة – أصبحت افتعل الأسباب للعراك معه ، وطرحه أرضا”في كل مرة ، حتى كان ذلك اليوم الذي لم يمح من ذاكرتي ، فبعد أن طرحته أرضا” ظهيرة ذلك اليوم – بعد الغروب ، ونسمات لطيفة تكسر الرتابة والملل – رأيته قادما” رمقني بنظرة ، فيها الكثير من التحدي ، اقترب قائلا” : لنتبارز اليوم ولكن بطريقة مختلفة ، قلت : كيف ، أخرج من جيبه ” قرنا”من الفليفلة ، قسمه بيديه الى نصفين ، وهو يقول : أتحداك أن تفركه بيديك ، ناولني ” نصف قرن ” بينما أمسك النصف الآخر وبدأ يفرك به يديه ، سألته مستغربا”:
ماهذاالتحدي التافه ، استمر بفرك يديه ، وهو يردد افعل ذلك أم لا تستطيع ، فبدأت أدلك أفعل مثله ، فجأة انتقل الى وجهه ووجنتيه ودقنه ، مشيرا”الى بالمتابعة ، لكني لم أفعل ، قال بسخرية : هل أنت خائف ؟؟ استفزتني الكلمة ، فبدأت بفرك وجهي وجبهتي ووجنتي ، توقف ، ألقى مابيده الى الأرض ، وانصرف مغادرا” دون أن ينبس ببنت شفه .
مرت دقائق قبل أن أشعر بأنني أشوى على نار ، النار تستعر في وجهي الذي كاد ينفر الدم منه، ركضت الى البيت ، غسلت يدي ووجهي بالماء والصابون ، عشرات المرات ، لافائدة ، هرعت الى جدتي علها تفيدني في اطفاء تلك النيران المتأججة ، أشارت علي بزيت الزيتون ، خفف شيئا”بسيطا”، من الاشتعال .
مرت تلك الليلة كأسوأ ليلة في حياتي الماضية
مرت كل تلك التفاصيل وكأنها حدثت بالأمس القريب ، وليس منذ ” نصف قرن”
مضت من حياتنا .
أحسست ، وأنا أتلقى خبر مقتله في غارة طائرات غادرة ، بألم أشد حرقة و لهيبا”يجتاحني ، أكثر من تلك النار الحارقة ذلك اليوم .
- نصف قرن
- التعليقات

