هو هكذا إلى جوارها يحاكي خطوها منذ أمد بعيد ، مذ فتحت مقلتيها على أبجديات هذا الوجود ووقع نظرها على جدا رية الأيام الماثلة أمامها غير ما تناسق ….ملته في كثير من الأحيان وأحبته في أخرى بصدق لما وجدته الوحيد الذي لا يضجر من صحبتها …الوحيد الذي تجده لما يهجرها الجميع فتفتح له قلبها بكل صدق ، لا تخجل من البكاء بين يديه ولا من سرد حكاياها عليه….كل حماقاتها يستمع إليها في صمت دون أن يقول شيئا …تطفئ نار غضبها في صدره وتتساقط دمعاتها على ركبتيه دافئة حزينة ….ولا يقول شيئا …يعرف أنها بعد لحظات سوف تهدأ وتعود مرحة كما هي على الدوام سوف تركن إلى فراشها وتنام في هدوء باسمة الثغر تماما كما الأطفال ، ألف ثورتها وحنينها إلى البوح بكل أسرارها البريئة ،لطالما كان هو سبب غضبها وثورتها فصمته هكذا إلى جوارها يثير جنونها …ما حاول يوما الدفاع عنها أو الرد على كل الذين ظلموها …ما حاول مسح دموعها …فقط يستمع إليها ويسمح لها بالبكاء بين يديه كي تهدأ …لطالما حاولت طرده ، حاولت ضربه ، لكنها أبدا ما استطاعت ، تراه دائما هادئ التقاسيم …برغم كل أوجاعه لا تسمع له أنينا ولا آه ،تحاول في كل مرة تنبيهه لكنه دوما هكذا يثير جنونها أكثر فتمسكه بين يديها تلطم وجهه ،تفسد هندامه وتمزق ثيابه ثم تنكمش على نفسها ، تغضب أكثر وتخجل مما فعلته …وهو ما يزال هادئا كما عهدته …حتى لما تخطئ في حقه لا يغضب ولا يثور ….
تقترب منه ثانية في هدوء ودموعها تغسل وجهها وتمحو آثار أصابعها من على خديه ، تمسكه برفق …تحسن هندامه من جديد …تخيط ما مزقته أو ترقعه بقطعة من قلبها ، وبدموعها ترسم حدود شفتيه لتظل ناصعة الابتسام ، وتتخذ من أصابعها مشطا تمشط به شعره الفاحم السواد لتزيل عنه غبرة الغضب والأيام فيعود أكثر وسامة من ذي قبل ويزداد وقارا وهدوء ثم تجلس إلى جواره في هدوء مقلدة زقزقة العصافير التي حطت على أفنان شجرتها التي غرستها والدتها يوم مولدها تحت نافذتها حتى تبرعم وتكبر معها في كل فجر ….
مضى يومها هادئ جدا بعد ليلة صاخبة الوجع …دخلت غرفتها وهو يتبعها …جلست أمام المرآة وهو دائما إلى جوارها تأملت نفسها مليا وهو يعبث بشعرها في حنان – لأول مرة يلمس شعرها – ابتسمت في ارتياح لكنها سرعان ما قطبت جبينها …سحب يده في ذعر ..
دقات الساعة تصرخ بقوة مجنونة ….ترى ما الذي حدث هذه الليلة ؟
قامت مذعورة وقد تبدلت ملامحها تماما …اصفر وجهها وهي ترمقه بنظرة ملتهبة الغضب …تراجع إلى الخلف فتهاوى على كرسي قديم في الركن وهي ما تزال تنظره في غضب صاخب..
مرت لحظات على سكوت الساعة التي فقدت صوابها هذه الليلة بالذات …جلست من جديد أمام المرآة التي عكست وجهه المبهم بالخوف هذه المرة ، ونوبة الجنون تعاودها …صاحت فيه بكل ما أوتيت من قوة : أربعون سنة مرت وأنت إلى جواري …أربعون سنة مرت وأنت تتبعني ،تعد علي خطواتي …أربعون سنة كاملة والناس يعايرونني بك وأنت تظل صامتا لا يثيرك غضبي وحزني ..فأعتقني رجاء من نظرتك ..
وفي غضب حملت زجاجة العطر الفارغة منذ عمر الهدية الوحيدة في حياتها وصفعت وجهه …وجهها على المرآة …أسقطت صورتها وكل التجاعيد ماتت في لحظة …كل الشعرات البيضاء في رأسها تفحمت أو هكذا خيل إليها …
اليوم في عيد مولدها استعادت شبابها واكتشفت كذب المرآة…أحست بالراحة وظنت بأنها أنهت كل الأمور …لم يعد هناك ما يذكرها بعمر مضى كالسراب …بتجاعيد اغتالت في وجهها كل الحكايات الجميلة وأماني الطفولة والشباب ولم يعد الشيب يسخر منها ويرقص على أوجاعها طربا …هي الآن كما تشعر طفلة بريئة تهدهد دمية رضيعة تغني لها أغنية الأم التي غابت ذات فجر ولم تعد وتؤكد لها أنها ستجيء مع الفجر …ستذكرها الشمس أن طفلتها في انتظارها فتجيء كما الحلم ومعها آلاف الهدايا ودفء كبير وحليب كثير يكفر بكل لغات الفطام …
رفعت رأسها تغمرها نشوة الأمومة الحلم فوجدته ما يزال قابعا على كرسي لا يكاد يحمله وهو ينظرها في هدوء …. أ فقدها صبرها من جديد فحملت شظية من حطام مرآتها وهجمت عليه في جنون وشقت صدره دون أن يتأوه أو يتألم…ورعشة الروح تترنح في خلايا العمر المذبوح وتقاسيم القدر تفضح سر المصير الصائح كالمجنون …تراجعت إلى الخلف …تهاوت على الأرض وهي تنظر إليه في ذهول وهو ينزف صامتا مفتوح الصدر …مرت عليها لحظات غزى فيها الدمع مقلتيها وبدأ العد العكسي لدقات قلبها ….رمت الشظية جانبا ونظرها ما يزال على هذا الصدر المفتوح ….ورائحة الجرح تغمر المكان …اقتربت منه ممزقة القلب حذرة…تهاوت على الأرض من جديد ..مدت يدها واضعة رأسه على ركبتيها ونظراتها حيرى تقلب صفحات هذا الصدر المفتوح …مد يده إليها ..قبل كفها المجروح ثم جلس إلى جوارها …حمل الشظية التي شقت بها صدره وراح يقلب معها صفحات حكاياه الصاخبة لجراحات تفانى في ترتيبها بصدر صغير كان يجب أن يسع انكسارات ضاقت بها دقائق أيامها ….أطلعها على كل الهزائم وتفاصيل كل الخيانات ثم فتح لها قلبه لتجد نفسها أميرة العمر كله برغم خدوش الزمان وجراحات عافها البرء منذ أمد بعيد..
وأخيرا نطق وتكلم.: سيدتي أنا العمر المهزوم ما كان لي قبل الآن أن أتكلم أو أرد عليك ..فقط إلى جوارك كنت دوما أرتب أحزانك بصدري حتى لا تبعثرها ريح الأيام وأهرب جراحاتك على متن النبض كي لا تضيع منك الخطوات ..وأمسح بدمعي بلاط القلب حتى تظلي سيدة دون آهات…
وانتصب قائما لملم الجرح ورمم الصدر قائلا : أنا العمر سيدتي قلبي الطفولة النابضة بين الحنايا وإن لم تقبليني إلى جوارك اعترفي قبلا أني عمرك الحزين…
والدهشة تأسر كل أفكارها وتكاد تحد القلب عن النبض انتفضت من مكانها مرددة كلاما هو تماما كما الهمهمة لم يفهم منه سوى قولها: أبدا أنا ما عشت كل هذا….هذا العمر ليس لي …..هذا العمر ليس لي…..
- هذا العمر ليس لي
- التعليقات

