أجلس أمام المرآة أتأمل قسمات وجهي الشاحب،وأتأسف على زمن مضى لن يعود.. أراقب الشعيرات القليلة التي أحاطت بذقني من كل جانب، أنظر لي فأراني فارع الطول طويل القامة،مليء الجسد فتيل العضلات…
لكن مهلا… كيف كبرت؟ ومتى؟ و هل يكبر المرأ بهكذا سرعة أم أنني استثناء….
غير بعيد عن اليوم، ربما أمس أو قبله بيوم.. كنت طفلا صغيرا أذرع الخطى بين دروب الدوار، وأجري متلهفا خلف السركوس، وأركب فوق قصبة كأنه حصان… بالأمس فقط أمسكت بيدي والدي واصطحبني للسوق لشراء ملابس العيد، أمشي وأنا فاغر فاهي وأنا مسرور.. أنظر هنا و هناك، أريد تلك الكرة يا أبي، أريد تلك الحلوى، أريد تلك اللعبة، أريد ذاك الشيء، كنت أحب كل ما أراه، وأتمنى كل ما أريد وكأن معي مصباح علاء الدين لا والد نهش الفقر جيبه و قصم الدهر ظهره، وأنى لفتىً صغير أن يعلم كل ذاك، يسألني صاحب الدكان بدوره ماذا أريد، فأجيب، أريد ذاك السروال وذاك القميص و تلك السترة وتلك البذلة وذاك الحذاء الأبيض وذاك الأسود… يختار لي أبي عوضا عني ما بدا له، فدخلا في حوار شبه طويل يتناقشان السعر و الثمن… أعود لبيتي وفي يدي لباسي وحذائي الجديد وبعض قطع الحلوى،وفي قلبي فرحة لو أطلقت لها العنان لبلغت عنان السماء ، حل صباح العيد، أحمل بعض حبات الشعير كزكاة الفطر لجارتنا، أقبل يدها وأبارك لها العيد باقتضاب وأعود متلهفا، أرتدي ملابس العيد وأخرج عند الرفاق، نضحك و نلعب ونغني.. فرحين بما أتانا الله، فرحين بملابس العيد…
لكن مهلا، من ذا الذي يجلس قبالتي في المرآة، لا يعقل أن يكون هذا أنا، أنا ما زلت صغيرا، ما زلت أريد مرافقة والدي للسوق، ما زلت أود أذنا تصغي لما أريد، مازلت طفلا يفرح بملابس العيد ويفرح بالعيد.. هذا الذي في المرآة هو طفل كبر سهوا….