تزوجت ولم تنجب، ومات عنها زوجها، تعيش في بيت بسيط، مكون من؛ حجرة، وحوش واسع به موقد حطب، ومراقد للدجاج وبنيات للحمام الذي تسمع هديله ونقنقة الدجاج من بعيد.
الحجرة أثاثها؛ صندوق تضع فيه مدخراتها وتعلق مفتاحه بخيط حول عنقها، وكنبة تأوي إليها عند المساء، وفي إحدى زواياها مجموعة من القنينات والبرطمانات الزجاجية التي تفوح منها رائحة التوابل والبهارات والعطور.
أنتظر بلهفة موعد زيارتها اليومي بطبق مما طهت أمي للعشاء، عند الباب أضع الطبق وأطرق بكلتا يديَّ حتى تسمع، تتحسس عصاها، تتكيء عليها، تفتح الباب، أضع الطبق في حجرتها، أساعدها في عمل ما تحتاجه، تمد يدها إلى برطمان بعينه، تضع في كفي بعضا من السمسم المحمص والمصحون بالسكر، وتخرج من كيستها بيديها المرتعشتين قطعة نقود معدنية وتعطيها لي.
لا أحد يزورها غيرنا، كل أسبوع تساعدها أمي في جمع البيض وصغار الحمام لبيعه وادخار ثمنه.
يوما أراها ربيعا بثيابها الزاهي ونطاقها الأحمر ووشم ذقنها الأخضر، ويوما شتاءً بوشاحها الأسود أسمع صوتها تنعي حالها لدجاجاتها، لكنها في كلا المناخين كانت تعطيني السمسم وقطعة النقود.
لم تستطع يوما أن تفتح لي الباب من شدة المرض وطلبت مني أن أدفع الباب وأدخل، وجدتها ترتعد وفي حالة اعياء شديد، وضعت الطبق بجوارها، وأسرعت في الإياب وأخبرت أبي بحالها، الذي خرج مسرعا بعد أن أخذ معه بعضا من أقراص الدواء من كيس يضعه بعيدا عن متناولنا.
في الصباح لم تتحسن حالتها، أخذها ومعه بعض من أهل القرية للطبيب، لم تمكث طويلا بعدها وانطفأ قنديلها، اختفي هديل حمامها، خرست دجاجتها عن النقنقة، ماتت!
وفي سرادق العزاء حضر أناس غرباء لأخذ العزاء في عمتهم، ثم باعوا الدار وتقاسموا ثمنها واختفوا.
- ورثة جدتي
- التعليقات

