..وبعد ان ظل هادئا وقورا بعيدا، كأنه تمثال لايستشعر حجم القلق الهادر في النفوس حوله، إذ كانت تكفيه اشارة من يده ليعود الهرج المندفع من احتكاك القلق ببعضه الى قعر النفوس من جديد، قال كلمته الحاسمة، قبل ان يصدر التقنيون رايهم الاخير:
– صلوا أنْ تلطُفَ بنا الاقدار.!
وحين اغلق شفتيه، ونهض عن راس المجلس، انفتحتْ مظلة قبل ان ينفتح باب السيارة، واسرع الشيخ سيدي مبروك، قبل ان تبلل بركَته قطراتُ المطر، وانطلق السائق..
لم تستطع الرائحة القوية المهيبة التي تسربت من سلهامه المبارك في الهواء حوله، ان تزكم أنْفَ القلق المتصاعد في النفوس، مع تصاعد الخطر في الماء المندفع كالشلال من السماء، دون توقف طيلة اسابيع،
ودون ان تلوح بارقة انفراجة قريبة بحسب الارصاد الجوية. كما لم تستطع الصلاة وأكفّ الاستلطاف ان تُخمد الاسئلة المستعرة كألسنة نار في حطب مضغته اشعة الشمس، ولا على ان تُسكت الاصوات النشاز التي ارتفعتْ تحُثّ على ضرورة الاسراع في اتخاذ تدابير وقائية قبل ان تحل الكارثة.! لقد انطلق العد العكسي، من ساعة تضرب عقاربَها الريحُ والمطر، وانطلقت طلائع السيول تستكشف حواري بلدة سيدي مبروك، تمهيدا للإغراق الشامل.. والسد الذي اصبحت معه جنانا خضرا تَرِفّ حول عين قبة ضريح سيدي مبروك الجد الشاخصة ابدا الى السماء، تحول حصنا لقوة عمياء تهدد بان تطمر البلدة، وتغرق الضريح المتدفق في رزق البلدة كنبع بركة لاينضب، الذي يلبي نداءه السماوي الناسُ من كل حدب وصوب، فلا تخلوا طرقاتها، ولا تُغلق حوانيتها، كما تفيض لياليها بالامداح والذكر والسماع والولائم.! السد الذي طالما نُظِر إليه كتجلي لبركة من بركات الجد الراقد في الضريح، صار لعنة من لعناته.! لم يجرأ الذين تهامسوا بهذا القول عل الجهر. فمتى كان للجد لعنة من اللعنات.! ؟ لكن السد صار لعنة فوق راس بلدة سيدي مبروك، وضريحها المشهور. وكل قطرة مطر جديدة تزيد من رجحان احتمال انفجاره واندفاع الماء فوق البلدة كستارة سوداء قاسية تُسدل على تاريخ انتهى. لهذا ارتفعت اصوات تدعو الى ضرورة إجلاء الاطفال والنساء والعجزة مع مايمكن اجلاؤه قبل فوات الاوان.. لكن دخول التقنيين الى القاعة، جعل الحراس يتدخلون ويدفعون تلك الاصوات خارجا.! لكن الخطر لم يزُلْ. بل صار اكيدا ووشيكا اكثر، ولم يكن التقرير النهائي للتقنيين يمنحهم كثيرا من الوقت ، قبل سقوط جدار السد الذي لم يتوقع مهندسوه ان تسكب السماء ذات يوم كمية من المطر كهذه.. لهذا اسرعوا الى دار الشيخ سيدي مبروك التي تشرف على كل ديار البلدة من ربوتها المرتفعة. ايقظه الحارس من النوم. خرج إليهم في باحة داره الكبيرة دون ان يحكم شد عمامته وسحْب السلهام فوق كتفه فبدا منسدلا كجناح دجاجة مريضة، وزاد قلقه حين اخبروه ان السد لامحالة سينفجر، وعما قريب. نظر الى كل الجهات والى الثريا المتدلية من السقف كعين حالمة لا علم لها بالسماء المحتقنة فوقها، وقال غاضبا :
– ..وهل انتهت كل التحصينات والانفاق الجانبية، حتى لاتصاب دارنا العامرة بالضرر.! ؟
– نعم سيدي، إُخذتْ كل الاحتياطات الواجبة وشُق النفق الاول…
– والثاني..! ؟
قاطعه سيدي مبروك، ارتبك الذي يقف على يمينه، واحنى بصره الى الارض، فبادر الذي يقف على اليسار وقال:
– نعم سيدي، ستنتهي قريبا، قبل ان ينفجر السد، الاشغال متواصلة الى الآن، ولن تتوقف…
– ولايجب ان تتوقف..!
رد الشيخ سيدي مبروك مقاطعا، في ما هو يحكم شد سلهامه الى الصورة المهيبة الوقورة التي اعتاد ان يلبسها كل يوم، واضاف محذرا:
– لا يجب ان تتوقف الاشغال.. حتى ولو لحقها السيل الجارف قبل ان تنتهي، قد يواصل حينها بقوته الجبارة شق النفق بنفسه بعيدا عن دارنا المباركة. ولاضير ان ضحينا في سبيل استمرار بلدتنا المجيدة.! كما يتوجب عليكم ان تسرعوا وتسخروا كل طاقتكم ووسائلكم لإنقاذ الضريح، فهو قلبنا الذي ينبض، بدونه نصبح جثة متعفنة، وبه نستطيع ان نجترح امجادا جديدة لما تجف الاوحال عن البلدة المطمورة وتدفن الجثث.. يجب ان تستأصلوه من الارض، وتنقلوه الى مكان آمن، وفي اسرع وقت.. هيا..!
– واهل البلدة ماذا نفعل لهم، سيدي.! ؟
قال الذي يقف في الوسط، بتردد واستحياء.
– ماذا نفعل لهم.! اخبروهم ان يهربوا قبل ان تلوي ارجلهم حبال السيول الجامحة، اذا استطاعوا الى الهرب سبيلا.! لكن، دون هلع او فوضى.!
– لكن السد قد ينفجر قبل ان نحتوي هلعهم، سيدي.!
– ذاك شأنه.. نحن لانستطيع ان نأمره متى يندفع.! لكن الاهم النفق والضريح.. ومهما كان الثمن.!
قالها، وعاد داخلا الى مخدعه، واضاف في ما الحارس يغلق الباب وراءه:
– لاتنسوا ان تدعوا اللطف في انفسكم.!
فذهبوا، مسرعين..
وفي الصباح، كان يقف على الشرفة، يطل على البلدة التي صارت منبسطا من وحل، بعد ان جرف الماء كل شيء من طريقه، وكانت عينه مركزة على المكان الذي يا ما تلألأتْ فيه قبة الضريح، في ما كانوا يخبرونه ، في خجل وخوف، عن عدم تمكنهم من انقاذ الضريح.. فاستدار اليهم غاضبا، وصاح في وجوههم:
– سنعلن الحِداد المفتوح..الى ان تعثروا على رفات جدنا سيدي مبروك، لتستمر زاويتنا المباركة.. هيا، انصرفوا.!
احنوا رؤوسهم.. دق الارض بقدمه الغاضبة، ومشى سيدي مبروك..!
- ومن بعدي الطوفان
- التعليقات
