تَشَابَهَ الدَهْرُ بِعَيْشِهُمْ البَاِئسْ و الليْلُ يُطْبِقُ جُفُونَ الدُجَى عَلى ضِيَاءِ النَهَارْ رِيْحُ المَنِيَة تَنْبَثِقُ مِنْ أَعْطَافِه وَثَخِينٌ صَوْتُ الألمِ بَيْنَ ثَنَايَاهُ كَانَ المَشْهَدُ سَوْدَاوِيّا عَاتِمًا فأرْضُ الكَرِيْهَة تَئِنُّ تَحْتَ رَجْعِ أَزِيْزِ الطَائِرَات مُخضَّبة وَعَلَيْهَا أشْلَاءُ تَنَاثَرَتْ لِقَتْلَى ِبلَا قِتَالٍ سَرَابِيْلُ تَبَعْثَرَت أكَمَامٌ وَنِعَال.. نُوَاحُ ثَكَالَى أرَامِلُ وَ أَيْتَام ..كَذَاكَ المَشْهَدُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَحَّلُوا إلى شَتِيْتِ وطَنِهِمْ بَيْنَ خِيَمِ العَارْ، أَضْحَوا مَعْشَرًا بِلَا وَطَنٍ يَعِيشُونَ عَلى فُتَاتِ الصَدَقَاتْ وَبَعْضِ الحَنَيِن والذَكْرَيَات ، سَمَاؤُهُمْ دَمَارٌ ، وَ أرْضُهُمْ دِمَاءٌ .. يُقَاوِمُونَ جُوْعَهَمُ ، و البِيْدَ مَرَاقِدُهم ؛ يَزَفُّوْنَ أَرْوَاحَهُمْ فِدَاءً لِوَطَنٍ تَغَرَّبُوا فِيْهِ ، وَ يَنْعُوْنَ رَبَيِعَ بِلَادِهُم الذِي تَزَيَّ رَمَادِيَة الخَرِيِف ؛
كَانَ العَرَاءُ يَكْتَنِفُ الخَيْمَة وَالبُؤْسُ يُرْخِي أطْنَابَهَا بِيَوْمٍ مَطِيِرٍ مِنْ شِتَائِهمُ العَابِسْ، الصَمْتُ يَصْرَعُ بِسُكُونِه ضِيِقَ المَكَانْ إِلَّا مِنْ حَشْرَجَة مِذْيَاعٍ قَدِيْمٍ يَزُفُ شَهِيْدًا كَل لَحْظَة فَتَنْعِيْه أَصْوَات التَكْبِيْرِ بِالجِوَار، وَأُمُ حُسَام تُلَمْلِمُ بَقَايَا صَبْرِهَا عَلى بَعْلِهَا الغَائِب وُتَضَمِدُ جِرَاحَ إبْنِهَا المُمَدَد عَلَى الحَصِيْر.
سَرَّبَتْ يَدَهَا مِنْ تَحْت لِحَافٍ خَلِق بَالٍ تَجُسُ حَرَارَة جِسْمِهِ المُتَّقِد شَوْقَا لِلْشَهَادَة مُحَاوِلَة فَكَّ طَلَاسِمَ مَلَامِحِهِ وَنَظَرَاتِهِ القَانِطَة كَأنّه يَلْعَن قَبُوْعَهُ ذَاك وَجِرَاحُ الشَظَايَا قَدْ طَبَّبَتْ بَدَنَهُ .
رَمَقَ بِعَطْفٍ تَوَدُدَهَا وَ أَشَاحَ وجْهَهُ يَوَارِي دَمْعَةً حَبِيْسَةَ الأهْدَابِ ، يُمَنِّي النَفْسَ أَنْ تَخْطِفَهُ غَفْوَةٌ تًنْسِيْهِ ألَمَهُ
نَامَ عَلى وَجْهِ أمّه الشَاحِب ، وَ إِسْتَفَاقَ عَلَى جَلَبَة أفزعت حُلُمَهُ المُتَعَسِرْ جَالَ بِنَظَرِهِ فِي كُلِّ الأرْجَاء ..
عَلَى يَمِيْنِه شَقَيْقُهُ الأصْغر يُصَارِعُ البَرْدَ تَحْتَ خِرْقة بَاليَة بِطَقْطَقَة أَسْنَانِه وَعَلى شِمَالِهِ مَكَانُ أُمه خَاوٍ منها..!!
إسْتَجْمَعَ قِوَاه مُتَدَعْثِراً فِي مَشَيْه نَحْو الخَارِجْ ، فَلَاحَ لِبَصَرِهْ مَزِيْجُ حُمْرَة الدَم بِصَفَاء الثَلْجْ الأَبْيَض
بِسَاطٌ وَرْدِيٌّ تَرَامَتْ عَلَى أَكْنَافِه أجْسَادٌ تُصَارِعُ المَوْتَ، ..وَسَيَارَاتُ الإسْعَافْ تَغْدُو سَوَاجَا عَلى المُخَيَّم تَنْقُل الجَرْحَى والجُثْثْ رَاغَ الفَزَعُ بِلُبِّه لِهَوْلِ مَا رَأَى وَحَثَّ خُطَى السَير تَاِئهًا ذِهْنُهُ حَدَّ الجُنُوْن يَجُوْلُ بِنَظَرِهِ في لَهْفَةٍ أَشْعَثَ مُمَزَّقَ الإزار مَلَامِحُهُ تَفِيظ قَلَقًا, وسؤال وَحِيْدٌ كَانَ يَجُوْبُ خَلَدَهُ أيْنَ أَهْلُ الدَار..!!؟
فَخَالَطَ صَوْتٌ قَرِيْبٌ مَسْمَعَهُ كأنه وَعى حَيْرَتَه الفياضة ..أمكَ هُنَاكَ عِنْدَ ذَاكَ الجَرِيْح
رَآهَا وَقَدْ جَثَتْ عَلَى رُكبَتَيْهَا تُسْنِدُ رَأسه المُضَرَّج بِالدِّمَاءِ .!
سَكَنَ حراكه قَائِمًا كأن على رأسِهِ الطير
شهق ألمًا ، ليزفر الآهْ التِي تَعْتَصِرُ قَلْبَهُ البَرِيء ، و انسَابَتْ عَلَى خَدِّهِ دَمْعَةُ حُرْقَة مُثْقَلَةٌ بَجُرْحٍ يَقْبَعُ فِي أَعْمَاقِ دَوَاخِره ـ
دَنا وَ هَمَسَ بِهَا هَسِيْسًا وَعَلَى ودِجَاهُ إبْتِسَامَة جُنُوْنٍ : “بلاد العُرب تنتصرُ ”
والِدُهُ كان يَحْتَضِر وعَلَى المُحَيَّا منه صَبَابَة قَدْ إرْسَمَتْ ، أنَامِلُهُ لَمْ تطَاوِعْهُ لِيَمْسَح مِنْ عَلَى هَالَتَيْهَا العَبَرات.. بَعْدَ مَاذا التَلَاقِي وَالعُمْرُ فِي آَخِرِه ، هَذِهِ المَرَّة لَنْ يُفَارِقَهَا هِيَ وَحَسْب بَلْ سَيَغَادِرُ حَتَّى بَدَنَهُ السَقيِمْ الذِي نَاءَ بِهِ
إرْتَقَتْ رُوْحُهُ بِتَسَامِيْهَا تَتَمَسَّح بِشَدَهِ إبْنِه فإنّهَار قَوَاَمُهُ فِي حِجْرِهَا ، تَنَهَّدَتْ بِألمٍ كَأنّهَا تَلْفُظُ الوَجَعَ ذَاتَهُ وَتَمْتَمَتْ بْكَلِمَاتٍ مُبْهَمةٌ ثم أطلقت العنان للصراخُ معلنةً حَسْرَتَهَا :”أنشدْ لي بلادُ العُرْبِ تَنْتَصِرُ “.